سميح دغيم
533
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
الفعل . وعند حصول تلك القدرة يجب الفعل ، وعند فقدانها يمتنع الفعل . فكان القول بالجبر لازما . وأمّا القسم الأول : فنقول : لمّا كانت تلك القدرة صالحة للفعل والترك ، كان رجحان أحد الطرفين على الآخر . إمّا أن يتوقّف على مرجّح ، أو لا يتوقّف . والقسم الثاني : يقتضي رجحان أحد طرفي الممكن المتساوي على الآخر ، لا لمرجّح . وذلك يلزم منه نفي الصانع . وأيضا : فعلى هذا التقدير يكون وقوع الفعل بدلا عن الترك : محض الاتفاق ، ولم يكن مستندا إلى العبد . فيكون الجبر لازما . وأمّا القسم الأول : فنقول : ذلك المرجّح . إمّا أن يكون من العبد ، أو من غيره ، أو لا منه ولا من غيره . لا جائز أن يكون من العبد . وإلّا عاد التقسيم الأول فيه ، ويلزم إمّا التسلسل وإمّا الجبر . والقسم الثالث : فنقول : أيضا : باطل . لأنّه يقتضي جواز حدوث الشيء ، لا لمحدث ، ولا لمؤثّر . ويلزم منه نفي الصانع . ويلزم منه أيضا : القول الجبر - على ما بيّناه - ولما بطل هذان القسمان ، ثبت : أنّ ذلك المرجّح ، إنّما حدث بإحداث الغير . فنقول : ذلك المرجّح إنّما يكون مرجّحا ، إذا اقتضى رجحان جانب الفعل على جانب الترك ، وعند حصول هذا الرجحان يجب الفعل . وذلك لأنّ طرف الترك ، حال كونه مساويا لطرف الفعل ، كان ممتنع الرجحان . فحال حصوله مرجوحا ، أولى أن يصير ممتنع الرجحان . وإذا صار المرجوح ممتنعا ، صار الراجح واجبا . ضرورة أنّه لا خروج عن النقيضين فثبت : أنّ صدور الفعل عن العبد ، موقوف على أن يفعل غيره فيه هذا المرجّح . واعلم : أنّه متى فعل ذلك الغير فيه ذلك المرجّح ، وجب صدور الفعل عنه . فثبت : أنّ مجموع القدرة مع الداعي ، يوجب الفعل ، وأنّه تعالى ، إن خلقهما : وجب الفعل . وإن لم يخلق مجموعهما : امتنع الفعل . فثبت : أنّ العبد غير مستقلّ بنفسه في الفعل وفي الترك . وهو مطلوب . ( مطل 9 ، 23 ، 5 ) - إنّا ( الرازي ) قد دللنا على أنّ الفعل يتوقّف على حصول الداعية والإرادة المرجّحة . ثمّ لمّا تأمّلنا أنّ كل ما للعبد من الدواعي والإرادات فهو محدث . فلا جرم افتقرت دواعي العباد وإرادتهم إلى مرجّح آخر . فأمّا إرادة اللّه تعالى فإنّها قديمة أزلية ، فلا جرم استغنت عن إرادة أخرى . ( مطل 9 ، 27 ، 3 ) - إنّا لمّا اختبرنا أنفسنا ، علمنا : أنّ عند حصول تعارض الدواعي يتعذّر الفعل . وذلك يدلّ على أنّ عند عدم الدواعي يمتنع صدور الفعل . ( مطل 9 ، 28 ، 4 ) - إنّ صدور الفعل عن القادر يتوقّف على حصول الداعية المخصوصة في قلبه . وحصول تلك الداعية بعينها في قلبه ، ليس بداعية أخرى من قبل العبد وإلّا لزم التسلسل . بل لا بدّ وأن يكون من اللّه ، وحينئذ يلزم أن يكون العبد غير مستقلّ لا بالفعل ولا بالترك . ( مطل 9 ، 29 ، 1 ) - الترك ترك . وهذا يفيد أنّ العلم الضروريّ حاصل ، بأنّ القادر إذا شاء الفعل ، ولم يكن هناك مانع ، فإنّه لا بدّ وأن يفعل . وإذا شاء الترك ولم يكن هناك مانع ، فإنّه لا بدّ وأن يترك . ولا نرى في الدنيا عاقلا يقول : إنّي إن شئت أن أفعل لم أفعل . وإن شئت أن لا