سميح دغيم

مقدمة 34

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

فاليقين ، وهذا واضح في تحديداته له ، يستفاد بالتأمّل بشرط أن يكون مسبوقا بالشكّ . ولوضعه شرط الشكّ دلالته . فهو يعني أن هناك علوما لا يطلق عليها اليقين لكون الشك غير وارد فيها . ومن ذلك العلم بوجود النفس « لما أن العلم بها غير مستدرك » « 1 » والأوليات العقلية . ثم أن هذا الشرط - الشكّ - يجعل البحث عن اليقين في مستوى الإنسان من دون اللّه ، لأن علم اللّه « غير مسبوق بالشبهة وغير مستفاد من الفكر والتأمّل » « 2 » . وعلى ذلك « لا يقال اليقين إلا في العلم الحادث » « 3 » . ونستطيع ، من خلال مقارنة النص الذي ذكر سابقا حول الفكر وعمله ، وتعريفاته لليقين ، أن نكتشف العلاقة التي أثبتها الإمام الفخر ما بين « الذات المفكّرة والشيء » موضوع الفكر . كما أننا أمام اعتراف صريح بفعل العقل وحركته للإحاطة بمعلومه ليحصل له الجلاء والانكشاف اللذان بهما يكون اليقين . فهو يجعل من إحاطة العقل بالشيء شرطا أساسيا لحصول المعرفة اليقينية ، ويعبّر عن هذا قوله : « فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به » « 4 » . ومقارنة بسيطة بين أقوال الغزالي حول العلم اليقيني الذي يرى حصوله بنور يقذفه اللّه في الصدر ، واعتراف الإمام الفخر بدور العقل في امتلاك اليقين ، تبيّن - المقارنة - فهم هذا الأخير لليقين فهما فلسفيّا ، فهو يقول : « أما العلم بحقائق الأشياء فالعقل متمكّن من تحصيله » « 5 » ويقول : « القوة العاقلة قادرة على إدراك الكليات » « 6 » . والمعروف أن الأشاعرة منعوا وجود الكليات تبعا لنظر يتّهم الذّرية التي بنوا عليها فهمهم لعملية خلق اللّه - الفاعل المختار - الدائم للموجودات . ويظهر الترابط بين المفاهيم التي أطلقها الإمام الفخر على العلم والعقل والعلم اليقيني في فهمه الجديد لعلم الأصول ، أو علم الكلام ، والذي جعله على نحو يستوعب موضوعات الفلسفة والكلام في نسق واحد وفي تغييره لوظيفة علم الكلام الدفاعية - عن العقيدة - إلى علم يرمي إلى بلوغ الحق الإلهي على قدر الطاقة .

--> ( 1 ) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 32 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ج 13 ، ص 45 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 32 . ( 4 ) المصدر نفسه ، ج 29 ، ص 211 . ( 5 ) المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 176 . ( 6 ) المصدر نفسه ، ج 23 ، ص 225 .