سميح دغيم
مقدمة 35
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
وقبل توضيح التطوير الذي أحدثه الإمام الفخر على المقصود من علم الأصول لا بدّ من تقديم رأيه فيه . فهو يجعل هذا العلم واحدا عند سائر الأمم ، وذلك ينفي عنه كونه علما عربيّا أو إسلاميّا . ونفهم ذلك من قوله بأن « علم الأصول لا يتطرّق إليه التغيير والنسخ ، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي » « 1 » وقوله : « الموجود في سائر الكتب الإلهية إما علم الأصول ، وإما علم الفروع . أمّا علم الأصول : فيمتنع وقوع التفاوت فيه بسبب اختلاف الأزمنة والأمكنة ، فوجب القطع بأن المذكور في القرآن موافق ومطابق لما في التوراة والإنجيل وسائر الكتب الإلهية » « 2 » . يعرّف الإمام الفخر علم الأصول بغايته فيقول : « المطلوب من علم الأصول معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته وأقسام المعلومات من المعدومات والموجودات » « 3 » . ويظهر في هذا التعريف الغياب التام لأية عبارة توحي بأن غاية هذا العلم الدفاع عن العقيدة وحراستها بالرد ، وهو المطلوب والموضوع الأساسي لعلم الكلام كما بيّن ذلك الغزالي في كتاب « المنقذ من الضلال » وأخذ به ابن خلدون فيما بعد . إذ المطلوب من علم الأصول هو المعرفة ، وفعل المعرفة في علم الأصول هو معرفة ذات اللّه وصفاته ، ومعرفة أقسام المعلومات . ولا يختلف الإمام الفخر في الغاية الأولى من الكلام مع ما صار إليه هذا العلم في أيامه ، ولكن خلافه مع المتكلّمين يبدو بجلاء في طلبه معرفة أقسام المعلومات من الموجودات والمعدومات . الأمر الذي سيؤدّي حتما إلى إدخال مباحث طبيعية وأخرى إلهية من حيث هي علوم قائمة بذاتها ، ومن المعروف أن علماء الكلام كانوا قد استبعدوا المباحث الطبيعية إلا في حدود استدلالهم على وجود اللّه وصفاته « 4 » . ونخلص ، من خلال هذا العرض للمفاهيم التي أطلقها الإمام الفخر على بعض المصطلحات ، بأن التعاطي مع مصطلحات الإمام ككل مترابط ومتكامل ، يكون من جهة طواعيتها لخدمة مشروعه في بناء فلسفة دينية ترتكز على النظر الاستدلالي . وقد مهّد السبيل إليه نور الوحي الإلهي ، وتطلّب « معرفة الأشياء كما هي عرفانا حقيقيّا تامّا » « 5 » .
--> ( 1 ) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 88 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ج 13 ، ص 81 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ج 2 ، ص 87 . ( 4 ) الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج 1 ، ص 11 . ( 5 ) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج 15 ، ص 75 .