سميح دغيم
296
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
حديث عكرمة « وحملة العرش كلهم صور » يريد جمع أصور ، وهو مائل العين ، فالصورة هي الشكل المائل إلى الأحوال المطابقة للمصلحة والمنفعة . والثاني : أنّ الصورة مأخوذة من صار يصير ، ومنه قولهم : إلى ما ذا صار أمرك ، ومادة الشيء هي الجزء الذي باعتباره يكون الشيء ممكن الحصول ، وصورته هي الجزء الذي باعتباره يكون الشيء حاصلا كائنا لا محالة ، فلا جرم كانت الصورة منتهى الأمر ومصيره . إذا عرفت هذا فنقول : لا شكّ أنّ الأجسام متساوية في ذاتها ، ويرى كل جسم مختصّا بصورة خاصّة ، وشكل خاص ، والذوات المتماثلة إذا اختلفت في الصفات كانت تلك الصفات جائزة العدم والوجود ، والجائز لا بدّ له من مرجّح ومخصّص ، فافتقرت الأجسام بأسرها في صورها المخصوصة ، وأشكالها المخصوصة إلى مخصّص قادر ، وهو اللّه سبحانه ، فثبت أنّه سبحانه وتعالى هو المصوّر ، ثم إنّه سبحانه خصّ صورة الإنسان بمزيد العناية ، كما قال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ( غافر : 64 ) وقال : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ( البقرة : 138 ) وقال بعد أن شرح خلق الإنسان : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( المؤمنون ، 14 ) هذا هو الكلام في تفسير هذه الأسماء الثلاثة . ( لو ، 216 ، 6 ) - حظ العبد من هذه الأسماء الثلاثة ( خالق ، بارئ ، مصوّر ) قليل ، أمّا الخالق فقد رجع حاصله إلى العلم ، وأمّا البارئ فقد رجع حاصله إلى القدرة ، فحظ العبد من الأول تكميل القوة النظريّة بمعرفة الحقائق ، ومن الثاني تكميل القوة العمليّة بمحاسن الأخلاق ، وإليهما الإشارة بقول الخليل : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ( الشعراء : 83 ) . إشارة إلى تكميل القوة النظرية وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( يوسف : 101 ) إشارة إلى تكميل القوة العمليّة ، فإذا صار هكذا فقد صار تامّا في ذاته تماما يليق بالبشريّة ، فيجب بعده أن يشتغل بتكميل غيره ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي ( يوسف : 108 ) وهذا هو حظ العبد من اسمه المصوّر ، لأنّه بإرشاده يصوّر الحق في عقول الخلق . ( لو ، 219 ، 10 ) - إنّ العبد يمكنه أن يأتي بالأزيد مما أتى به ، وبالأنقص عمّا أتى به ، وبفعل آخر مغاير لما أتى به . فلمّا كان قادرا على الكلّ ، كان رجحان بعض هذه الممكنات على البعض ، لا بدّ أن يكون لأجل أنّ القادر المختار : خصّص ذلك النوع ، وذلك المقدار بالوقوع . دون المغاير ، ودون الأزيد والأنقص . لكن القصد إلى إيقاع الشيء بقدر خاص ، وكيفيّة خاص ، مشروط بالعلم بذلك القدر . لأنّ القصد إلى الشيء ، بدون الشعور بماهيّته : محال . فثبت : أنّ خالق الشيء لا بدّ وأن يكون قاصدا إليه ، وثبت : أنّ القاصد إلى الشيء عالم بماهيّة ذلك الشيء ، الذي قصد إليه . وذلك يدلّ : على أنّ خالق الشيء ، لا بدّ وأن يكون عالما به . ( مطل 9 ، 85 ، 12 ) - إنّ الموجود إمّا أن يكون واجبا لذاته أو ممكنا لذاته ، والممكن لذاته لا يترجّح عدمه على وجوده ، ووجوده على عدمه ، إلّا بترجيح الواجب لذاته . وقد قرّرنا هذه النكتة في باب الدلائل العقلية . فيثبت : أنّه تعالى هو الخالق والموجد والمقدّر لجميع الممكنات . ولمّا كان فعل العبد من جملة