سميح دغيم

مقدمة 32

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

كالشاهدين ، فكما أنه لا بدّ في الشرع من شاهدين فكذا لا بدّ في العقل من شاهدين ، وهما المقدّمتان اللتان تنتجان المطلوب ، فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس » « 1 » . إن التأثير الفلسفي على الإمام الفخر في شرحه لمعنى الفكر في النص المستخرج من « التفسير الكبير » لا يحتاج إلى بيان . وعلى ضوء هذا الفهم لمعنى الفكر سوف يعالج الإمام الفخر قضية العلاقة بين النظر والعلم ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإمام الفخر يستخدم مصطلحي النظر والفكر بمعنى واحد . إذ يقول في التفسير : « إن فكر القلب والمسمّى بالنظر » « 2 » ، وعلى ضوء مفهومه للفكر يثبت لزوم العلم من النظر لزوما بيّنا ضروريّا لأن « من صدق بأن العالم متغيّر ، وكل متغيّر ممكن حصل عنده التصديق بأن العالم ممكن ، فلا معنى لفكره إلا ما حضر في ذهنه من التصديقين المستلزمين للتصديق الثالث » « 3 » . ومفهومه هذا للفكر والنظر دفعه إلى وضع تعريف ، غير مألوف عند الأشاعرة ، خاص للذهن بأنه « قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة » « 4 » . ويقصد « بالقوة » « استعداد النفس لتحصيل المعارف » « 5 » . وهذا الاستعداد معطى من اللّه للإنسان . « إلا أن اللّه - كما يقول - خلق الروح خاليا عن تحقيق الأشياء وعن العلم بها ، ولكنه خلقها للطاعة ، والطاعة مشروطة بالعلم . فلا بدّ من العلم ، ولا بدّ من أن تكون النفس متمكّنة من تحصيل المعارف والعلوم » « 6 » . واللّه أعطى الحواس والفكر للإنسان ما أعان على تحصيل هذا الفرض « ومتى تطابقت هذه القصوى صار الروح الجاهل عالما » « 7 » . من خلال توضيح الإمام الفخر لمعنى « الذهن » يتبيّن لنا إقراره بدور ما للذات العالمة باستخدامها قوى الحب والفكر . وإعطاؤه هذا الدور للفكر سوف يؤدّي به إلى شرح عمل الفكر على نحو يتّفق فيه مع الفلاسفة ويخالف أصحابه الأشاعرة . ونجد الإمام الفخر يناقش مطوّلا أقوال الناس ( في الفرق ) في حدّ العلم ويبيّن

--> ( 1 ) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 206 - 207 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ج 15 ، ص 75 . ( 3 ) الرازي : محصل أفكار المتقدمين ، ص 23 . ( 4 ) الرازي : مفاتيح الغيب ، ج 2 ، ص 206 . ( 5 ) المصدر نفسه ، ص . ن . ( 6 ) المصدر نفسه ، ص . ن . ( 7 ) المصدر نفسه ، ص . ن .