سميح دغيم
162
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
فهذا يدلّ على أنّ اعتقاد كونه راجح المفسدة ، لا أثر له البتّة في الترك وكنّا قد دللنا في أول هذا الباب على أن القدرة لا أثر لها البتّة في الترك ، فقد ظهر بالبحث الذي ذكرناه : أنّ القدرة لا أثر لها البتّة في الترك . وأن الداعية لا أثر لها البتّة في الترك . وذلك يقرّر ما ذكرناه من أنّ المستند إلى القادر الفاعل ليس إلّا وجود الفعل . فأمّا عدمه فلا تأثير للقدرة فيه ، ولا تأثير للداعي فيه . واللّه أعلم . ( مطل 3 ، 28 ، 12 ) - الترك ترك . وهذا يفيد أنّ العلم الضروريّ حاصل ، بأنّ القادر إذا شاء الفعل ، ولم يكن هناك مانع ، فإنّه لا بدّ وأن يفعل . وإذا شاء الترك ولم يكن هناك مانع ، فإنّه لا بدّ وأن يترك . ولا نرى في الدنيا عاقلا يقول : إنّي إن شئت أن أفعل لم أفعل . وإن شئت أن لا أفعل فعلت . فثبت : أنّ هذا دليل قاطع على أنّ جميع العقلاء يعلمون بالضرورة : أنّ القادر متى أراد الفعل ، ولا مانع له عنه ، فإنّه يفعله لا محالة . وإذا أراد الترك ، ولا مانع له عن الترك ، فإنّه يترك . وثبت : أنّ القول بحصول الفعل عند إرادة الترك ، وبحصول الترك عند إرادة الفعل إذا كان لا مانع له عن المراد . أمر لا يجوّزه عاقل أصلا . ( مطل 9 ، 32 ، 18 ) - اعلم أنّ مجامع التكليف محصورة في نوعين لا ثالث لهما : أحدهما : ترك المنهيّات ، وإليه الإشارة بقوله : اتَّقُوا اللَّهَ ( المائدة : 35 ) وثانيهما : فعل المأمورات ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ( المائدة : 35 ) ، ولمّا كان ترك المنهيّات مقدّما على فعل المأمورات بالذات لا جرم قدّمه تعالى عليه في الذكر . وإنّما قلنا : إنّ الترك مقدّم على الفعل لأنّ الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصلي ، والفعل هو الإيقاع والتحصيل ، ولا شكّ أنّ عدم جميع المحدثات سابق على وجودها ، فكان الترك قبل الفعل لا محالة . ( مفا 11 ، 219 ، 11 ) - الترك إبقاء الشيء على عدمه الأصلي ، وذلك العدم المستمرّ لا يمكن التوسّل به إلى شيء البتّة ، فثبت أنّ الترك لا يمكن أن يكون وسيلة ، بل من دعاه داعي الشهوة إلى فعل قبيح ، ثم تركه لطلب مرضاة اللّه تعالى ، فههنا يحصل التوسّل بذلك الامتناع إلى اللّه تعالى ، إلّا أنّ ذلك الامتناع من باب الأفعال ، ولهذا قال المحقّقون : ترك الشيء عبارة عن فعل ضدّه . ( مفا 11 ، 219 ، 16 ) - إنّ الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال ، فالذي يجب تركه هو المحرّمات ، والذي يجب فعله هو الواجبات ، ومعتبران أيضا في الأخلاق ، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة ، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة ، ومعتبران أيضا في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكّر في الدلائل الدالّة على التوحيد والنبوّة والمعاد ، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات ، ومعتبران أيضا في مقام التجلّي ، فالفعل هو الاستغراق في اللّه تعالى ، والترك هو الالتفات إلى غير اللّه تعالى : وأهل الرياضة يسمّون الفعل والترك بالتحلية والتخلية ، وبالمحو والصحو ، وبالنفي والإثبات ، وبالفناء والبقاء ، وفي جميع المقامات النفي مقدّم على الإثبات ، ولذلك كان قولنا « لا إله