سميح دغيم
مقدمة 16
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
المرحلة كان يتلمّس طريقة في التأليف وهو قريب العهد من مرحلة الاطّلاع على كتب المتكلّمين والفلاسفة . ما هو المقصود بالمباحث المشرقية ؟ علينا أولا أن نحدّد ما ذا نعني بمشرقية . المستشرقون هم أول من اعتنى بتفسير لفظة « مشرقية » ، حيث يرى « نلينو » أن هناك اتّجاهين في قراءة المشرقية : الأول يمثّله « سيلان » ، ويعتبر أنها تدلّ على الإشراق أي الفلسفة الإشراقية ، والثاني يمثّله « غوتيه » حيث يعتبر أنه يقصد بها « الشرقية » . فالإمام بحسب رأيه قصد في المباحث معارضة المذاهب الفلسفية المشرقية بالمذاهب الفلسفية المغربية اليونانية . فالأولى هي مذاهب المتكلّمين المسلمين ، والثانية هي مذاهب وأفكار اليونانيين وطريقتهم في بحث المسائل ومن قلّدهم من المسلمين . والحقيقة أن الفلسفة المشائية هي مغايرة للحكمة المشرقية ، إن من حيث المنهج أو من حيث المضمون . وفي البداية ساد نهج الفلسفة اليونانية وكثر المشتغلون بها ، لكن بالمقابل كان هناك رغبة عند البعض ( ومنهم ابن سينا ) في الخروج من هذا الوهج الفكري للفلسفة المشائية ، ويبدو أن الإمام الفخر الرازي كان من أنصار هذا الاتجاه ، فأراد في « مباحثه » إخضاع التراث الفلسفي الوافد إلى المزيد من التنقيح والتصحيح قياسا على المسلّمات الحكمية المشرقية . يبدأ الإمام في ديباجة « المباحث » بالحديث عن الحافز الذي حمله على تأليف الكتاب وهو تحصيل ما وجده في كتب المتقدّمين ، وقد رتّب الكتاب على فصل المطالب بعضها عن بعض وأردفها إما بالأحكام أو بالنقض ، ثم ذيّلها بالشكوك والاعتراضات ، ليتبعها بالحلّ والجواب . ولا يمكننا تصنيف المباحث ضمن مسار فكري واضح ، فالبعض اعتبره كلاميّا والبعض الآخر اعتبره فلسفيّا ، والأمر اختلط على البعض الآخر فجمع التصنيفين معا . وهذا ما خلص إليه الأب قنواتي في اعتباره المباحث « أحد أهم المراجع الفلسفية كوسيلة في شرح العقائد » ، وبهذا يكون الرازي قد استفاد من ابن سينا والفارابي « واحتفظ بما يناسب موقفه الكلامي الشخصي » . ويشرح الإمام طريقة تعاطيه مع المسائل التي يبحثها في الكتاب فينطلق من العام إلى الخاص . ولمّا كان الوجود أعمّ الأمور ، لا جرم ابتدأنا به ، ووضعنا الكتاب الأول في أحكامه وخواصه ، ثم ذكرنا ما يقابله وهو العدم ، ثم بعد ذلك بحثنا في الماهية والوحدة والكثرة ، وفي الواجب والممكن ، والقدم والحدوث . أما الكتاب