سميح دغيم

مقدمة 11

موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي

« فلسفة التبيان » مما لحقها من شوائب على يدي الفارابي وابن سينا . إذن حاول فخر الدين الرازي الاستفادة مما آلت إليه الأمور في عصره لأجل بناء علم عقدي يرتكز على العقل وينطلق من الفاعل إلى الفعل من المؤثّر إلى الأثر . ولقد عبّر الإمام عن ذلك في تمييزه الصحيح والدقيق بين نوعي البرهان : « الإنّي » و « اللمّي » إذ يقول : « وتحقيق الكلام أن الانتقال من المخلوق إلى الخالق إشارة إلى برهان « الإن » ، والنزول من الخالق إلى المخلوق برهان « اللم » ، ومعلوم أن برهان « اللم » أشرف » « 1 » . فالإمام يؤثر طريقة النزول من الخالق إلى المخلوق انطلاقا من تسليمه بأن « الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة كل عاقل » « 2 » . وهو يؤكّد بأن الفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار قبل الوقوف على الأدلّة . فوجود الصانع بديهي ، أي أوّل في المعرفة ، والفطرة الأصلية تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار ، وأن القول بأن اللّه هو البرهان على الكل يتمّ بالنظر الفعلي لا بالإخبار النبوي « لأن معرفة اللّه سابقة على وجود الأنبياء » « 3 » . لقد حافظ الإمام على مذهب السلف الصالح ، وفي الوقت نفسه أخذ ما وجده مناسبا من مسلّمات الفلاسفة ، إضافة إلى منطلقاته وأصوله الكلامية بوجه عام والأشعري بشكل خاص . هذه هي الأهميّة التي تميّز فكر الرازي ، وهذا ما نسعى إلى إبرازه من خلال عرضنا لمصطلحه الفكري المعبّر عن هذه التوليفة التي أسّست لما سمّي فكر المتأخّرين في الإسلام . 5 - تلامذته : كان للرازي مجالس درس في كل منطقة يحلّ بها ، بنيت له خصّيصا في المدارس المنتشرة آنذاك . كان جمهوره غفيرا ، يتجاوز أحيانا في جلسة الحوار الثلاثمائة طالب وأكثر . وكان يلقي دروسا في الوعظ ويجيب على الأسئلة التي تتناول الفلسفة وعلم الكلام والفقه والأصول والطب والكيمياء والنحو والأدب والتفسير وسوى ذلك من العلوم . وقيل في الرازي أنه كان واعظا ماهرا ، فكثيرا ما كان يغلب عليه الوجد أثناء الوعظ فيبكي ويبكي . وكان إذا ما حلّ في منطقة ، ذاعت شهرته فيها وانقسم الناس

--> ( 1 ) الرازي ، مفاتيح الغيب ، طبعة عبد الرحمن محمد ، القاهرة ، ج 1 ، ص 101 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ج 14 ، ص 28 . ( 3 ) المصدر نفسه ، ج 18 ، ص 40 .