خواجه نصير الدين الطوسي

64

مصارع المصارع في الرد على كتاب مصارعة الفلاسفة

--> وقد قال بعض الحكماء الغناء الأكثر لمن له الخلق والأمر ، جل ربنا وتعالى أن يوصف بالتمام فضلا عن أن يوصف بالنقص ، فهو متعم كل تام ومكمل كل ناقص . فان عنى بالتمامية أنه المتمم لكل تام ، فهو صحيح . لكنه يجب أن يطرد هذه القضية في كل صفة حتى في الوجود ، فيقول : هو موجود بمعنى أنه موجد كل موجود ، وواجب الوجود بمعنى أنه موجب كل وجود ، وعالم بمعنى أنه معلم كل عالم ؛ وقادر بمعنى أنه مقدر كل قادر ، وليس ذلك على منهاج الرجل . ولو كان ذلك مذهبه ، لما قضى بعموم الوجود وشموله ، وحكم أن الوجود من الأسماء المشتركة المختصة كما بيناه قبل / 93 . وما ذكره أنه واحد من جهة أن حده له ، وواحد من جهة أنه لا ينقسم ، كل ذلك وحدات لواحد واحد من مخلوقاته تعالى ، وسلبها عنه وايجابها له ، نقص / 94 . ولناهية اما أن تكون ماهية مشتركة كالحيوان للانسان والفرس والحمار ، أو ماهية خاصة غير مشتركة كالإنسان ، فلا اشتراك في وجود واجب الوجود ولا خصوص . فما بال الرجل يستعمل لفظ الماهية والنوعية في كل ورد وصدر ، وهو لا يعتقدها حقيقة ، ولم يقرر للمفارقات ماهيات مركبة من أجناس وفصول ، بل ذكر تمايزها بحقائقها البسيطة غير المركبة ، فكيف أو هم في حق واجب الوجود بالماهية والنوعية واثبات الجنسية والفصلية / 95 ؟ وما ذكر من البرهان على أنه مستند الممكنات ، فهو صحيح لا بأس به ولا اعتراض عليه ، غير أنه ضبط على الناظر بذكر أقسام هو مستغنى عنها ، أراد بها الكشف والبيان ، فزاد بها الليس والتعمية . والعلم نقطة كثرها الجهال . وأما قوله ان الواحد لا يصدر / 96 عنه الا الواحد . يقال له : ما المعنى بالصدور عنه ؟ أتعني بالصدور الايجاد ، أم تعنى به الايجاب ؟ فان الايجاد اعطاء الوجود والايجاب اعطاء الوجوب . والممكن بذاته ، فإنما يحتاج إلى الواجب بذاته في استفادة الوجود لا الوجوب ، فالوجوب يلزم الوجود ، [ والوجود ] لا يلزم الوجوب ، وسنعود إلى تقرير ذلك في مسألة حدوث العالم . وما ذكر أن / 97 صدور الفعلين المختلفين فإنما يكون من وجهين مختلفين ، مصادرة على المطلوب ، ولا يبقى له الا انكار محض واستبعاد صرف . وأمكنا تقرير ذلك في الطبيعيات ، إذ قد صدر حرارة وبرودة من شئ واحد من وجه واحد ، ولكن من جوهرين مختلفين . وكذلك يصدر سواد وبياض من الشمس في مائتين ، وجمود وذوب في جسمين ، فكيف في الجواهر العقلية ؟ ! / 98 .