عبد الإله بن سلمان بن سالم الأحمدي

155

المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة

قدر عليه . وهذا في غاية البطلان فالعبد له مشيئة وقدرة على الاختيار - كما تقدم - وهو فاعل حقيقة قال تعالى وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ « 1 » ، وقال جل شأنه وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 2 » وقال جل شأنه الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ « 3 » . ولو صح الاحتجاج بالقدر لما حدت الحدود وفرضت الفرائض وخلقت الجنة والنار واللّه سبحانه وتعالى يقول : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 4 » . وهذا لا ينافي القول بأن اللّه سبحانه وتعالى خلق أفعال العباد كلها وقدرها عليهم . ولقد تطرق شارح الطحاوية لهذه المسألة الدقيقة في معرض رده على المعتزلة الذين زعموا : أن القول بأن العبد محدث لفعله من غير أن يكون للّه مشيئة أمر لا بد منه - ومما قاله : إنه لا منافاة بين كون العبد محدثا لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة اللّه تعالى كما قال تعالى : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها فقوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها إثبات للقدر بقوله فَأَلْهَمَها وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ، ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية وقوله بعد ذلك : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها إثبات أيضا لفعل العبد ، ونظائر ذلك كثيرة . وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم . . . وهي أنهم قالوا : كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن اللّه يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم ؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم ، وهذا السؤال لم يزل مطروقا في العالم على ألسنة الناس وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته وعنه تفرقت بهم الطرق : فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة اللّه تعالى . وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال . وطائفة أثبتت كسبا لا يعقل جعلت الثواب والعقاب عليه .

--> ( 1 ) سورة البقرة / 197 . ( 2 ) سورة الحج / 77 . ( 3 ) سورة غافر / 17 . ( 4 ) سورة النساء / 165 .