ابن أبي شريف المقدسي
89
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
تعالى ( الأحقّ بالاتصاف بهما من المخلوق ، ) وإلّا لزم أن يكون للمخلوق من صفات الكمال ما ليس للخالق ( وقد قال تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ ( سورة الأنعام : 83 ) ، وقد ألزم ) إبراهيم ( عليه ) الصلاة و ( السلام أباه ) آزر ( الحجة بقوله : ) يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ( سورة مريم : 42 ) فأفاد أن عدمهما ) أي : عدم السمع والبصر ( نقص لا يليق بالمعبود ) . وكان اللائق أن يحذف المصنف قوله : « من المخلوق » لأن أفعل التفضيل المقترن ب « ال » يمتنع الإتيان معه ب « من » كما تقرر في العربية . وهل السمع والبصر صفتان زائدتان على العلم ، أو راجعتان إليه ؟ ذهب الجمهور من أهل السنة إلى الأول ، وذهب فلاسفة الإسلام وأبو الحسين البصري والكعبي « 1 » إلى الثاني ، وهو الذي عول عليه المصنف ، ولكنه عبر بالصفة على طريق أهل السنة فقال : ( واعلم أنهما ) يعني صفتي السمع والبصر ( ترجعان إلى صفة العلم ) وليستا زائدتين عليه ( لما قدّمنا ) في الكلام على رؤية الباري تعالى من ( أن الرؤية نوع علم ، و ) نقول هنا : ( السمع كذلك ) . وهاهنا تحقيق وهو : أنهما وإن رجعا إلى صفة العلم بمعنى الإدراك فإثبات صفة العلم إجمالا لا يغني في العقيدة عن إثباتهما تفصيلا بلفظيهما الواردين في الكتاب والسنة ؛ لأنا متعبدون بما ورد فيهما ، وقد مرّ أن الرؤية تشتمل على مزيد إدراك ، والسمع مثلها ، وإلى هذا التحقيق يشير قول المصنف : « إن الرؤية نوع علم والسمع كذلك » ، مع قوله بعد ذلك : « سميع بسمع ، بصير بصفة تسمى بصرا » ، ففي ذلك تنبيه على أنه لا بدّ من الإيمان بهذين النوعين تفصيلا . والأولى كما في « شرح المواقف » « 2 » بناء على أنهما صفتان زائدتان على العلم أن يقال : لمّا ورد النقل بهما آمنّا بذلك ، وعرفنا أنهما لا يكونان بالآلتين المعروفتين ، واعترفنا بعدم الوقوف على حقيقتهما . وهنا انتهى الكلام في الأصل الخامس ، وقد شرع المصنف في :
--> ( 1 ) الكعبي : أبو القاسم ؛ عبد اللّه بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي ، من معتزلة بغداد ، أخذ عن أبي الحسن الخياط ، وانتهت إليه رئاسة المذهب . له مصنفات كثيرة ، منها في التفسير وعيون المسائل . توفي سنة 319 ه . ( طبقات المعتزلة ، لابن المرتضى ، ص 88 ) . ( 2 ) انظر : شرح المواقف ، 8 / 87 .