ابن أبي شريف المقدسي
84
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
الركن الثالث « 1 » ، ( فيلزمه ) أي : يلزم ما ذكر من المنضم والمنضم إليه ( علمه بكل جزئيّ ) خلافا للفلاسفة في قولهم : إنه تعالى يعلم الكليات ، وإنه إنما يعلم الجزئيات على وجه كلي لا على الوجه الجزئي « 2 » ، وهو باطل ؛ إذ كيف يوجد ما لا يعلمه ، وقد أرشد إلى هذا الطريق قوله تعالى : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ( « 3 » وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ « 4 » ) ( سورة الملك : 14 ) ، وسنبين معنى صفة العلم في حقه تعالى ، وهاهنا تنبيهات ثلاثة : أحدها : أن في قوله : « وهو مشاهد منها كمال الإحسان » تنبيها على أن حكمنا بأنها كذلك هو بحسب ما نشاهده بأبصارنا وبصائرنا ، بأن تدركه عقولنا وتصل إليه أفهامنا حتى نقضي بأنه غاية الإحسان عندنا ، لا بمعنى أنه لا يمكن في مقدورات الباري تعالى ما هو أبدع منها كما هو طريق الفلاسفة ؛ لأن العقيدة أن كلا من مقدوراته تعالى ومعلوماته لا تتناهى ؛ كما صرّح به حجة الإسلام في العقيدة المعروفة ب « ترجمة عقيدة أهل السنة والجماعة » من كتاب « الإحياء » « 5 » ، وتكرر في « الإحياء » فما وقع في بعض كتب « الإحياء » ك « كتاب التوكل » « 6 » مما يدل على خلاف ذلك فإنه ؛ واللّه أعلم ؛ صدر عن ذهول عن ابتنائه على طريق الفلاسفة ، وقد أنكره الأئمة في عصر حجة الإسلام وبعده ، ونقل إنكاره عن الأئمة الحافظ الذهبيّ في « تاريخ الإسلام » « 7 » .
--> ( 1 ) انظر : ص 119 . ( 2 ) علم اللّه بالجزئيات على وجه كلي : زعم الفلاسفة بداية أن اللّه لا يعلم إلا نفسه ، ثم جاء ابن سينا واختار أنه يعلم الأشياء علما كليا ، لا يدخل تحت الزمان ، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ، ومع هذا الزعم أقر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ، وذلك لأنه يعلم الجزئيات بنوع كلي ، ومثال ذلك أن الشمس تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ، ثم تنجلي فتحصل لها ثلاثة أحوال : 1 - حال هو فيها معدوم ، منتظر الوجود ، أي سيكون . 2 - وحال هو فيها موجود ، أي : هو كائن . 3 - وحال ثالثة هو فيها معدوم ولكنه كان من قبل . والعلوم متعددة بهذه الأحوال ومختلفة ، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة ، فلذلك لا يختلف علم اللّه في هذه الأحوال ، وهو علم كلي أزلي ، وقد أبطل الغزالي مذهبه . ( 3 ) سقط من ( م ) . ( 4 ) سقط من ( م ) . ( 5 ) انظر : إحياء علوم الدين ، 1 / 153 . ( 6 ) انظر : المرجع السابق ، 4 / 338 . ( 7 ) انظر : تاريخ الإسلام ، ( وفيات 501 - 510 ) ، ص 119 - 124 .