ابن أبي شريف المقدسي

85

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

الثاني : أن معنى كونه تعالى قادرا أنه يصح منه إيجاد العالم وتركه ، كما يدل عليه ما قدمناه من أن القدرة صفة تؤثر على وفق الإرادة ، فليس شيء من إيجاد العالم وتركه لازما لذاته ، بحيث يستحيل انفكاكه عنه ، إلى هذا ذهب الملّيّون ، وقد أنكرت الفلاسفة القدرة بهذا المعنى ، فقالوا : إيجاده العالم على النظام الواقع من لوازم ذاته فيمتنع خلوه عنه ، وليس هذا خلافا منهم في تفسير القادر بأنه الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل ، إلا أنهم زعموا أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض والجود لازمة لذاته ، كلزوم سائر الصفات الكمالية ، لتوهمهم أن ذلك وصف كمال . الثالث : أن متعلق العلم أعمّ من متعلق القدرة ، فإن « 1 » العلم يتعلق بالواجب والممكن والممتنع « 2 » ، والقدرة إنما تتعلق بالممكن دون الواجب والممتنع . هذا تقرير ما تضمنه الأصلان الأولان . وأما ما تضمنه : الأصل الثالث فقد قرره بقوله : ( والعلم والقدرة ) أي : الاتصاف بهما ( بلا حياة ) أي : بلا اتصاف بها ( محال ) وليس معنى الحياة في حقه تعالى ما يقوله الطبيعي من قوة الحس ولا قوة التغذية ولا القوة التابعة للاعتدال النوعي التي تفيض عنها سائر القوى الحيوانية ، ولا ما يقوله الحكماء وأبو الحسين البصري « 3 » من أن معنى حياته تعالى كونه يصح أن يعلم ويقدر ، بل هي صفة حقيقية قائمة بالذات تقتضي صحة العلم والقدرة والإرادة . ولا يخفى - مما سبق - تنزيهها عن كونها كيفية أو عرضا ، وكذلك كل صفة من صفات ذاته تعالى وتقدس .

--> ( 1 ) في ( م ) : لأن . ( 2 ) « الواجب » عند الفلاسفة : هو الذي لا يكون معلولا أي : لا يحتاج إلى علة ، وعند المتكلمين : هو الذي لا يقبل العدم ووجوده نابع من ذاته . أما « الممتنع » فتعريفه عند الفلاسفة والمتكلمين واحد وهو : الذي لا يقبل الوجود . ( 3 ) أبو الحسين البصري : محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي ، متكلم ، أصولي ، سكن بغداد ودرس بها إلى حين وفاته بها سنة 436 ه وقد شاخ ، من مؤلفاته الكثيرة : المعتمد في أصول الفقه ، تصفّح الأدلة في أصول الدين ، شرح الأصول الخمسة . ( معجم المؤلفين ، 3 / 518 ) .