ابن أبي شريف المقدسي
77
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
إذا تمهد هذا فنقول : لا يخفى أن التكليف بالتصديق بوجود الصانع وبتوحيده يشمل الكافة من العامة والخاصة ، وأن النبي صلى اللّه عليه وسلم مأمور بالدعوة للناس أجمعين ، وبالمحاجة مع المشركين الذين عامتهم عن إدراك الأدلة القطعية البرهانية قاصرون ، ولا يجدي معهم إلا الأدلة الخطابية المبنية على الأمور العادية والمقبولة التي ألفوها وحسبوا أنها قطعية ، وأن القرآن العظيم مشتمل على الأدلة العقلية القطعية البرهانية التي لا يعقلها إلا العالمون ، وقليل ما هم بطريق الإشارة على ما بينه الإمام الرازي في عدة آيات من القرآن « 1 » ، وعلى الأدلة الخطابية النافعة مع العامة لوصول عقولهم إلى إدراكها بطريق العبارة ، تكميلا للحجة البرهانية « 2 » على الخاصة والعامة ، على ما يشير بذلك قوله تعالى : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( سورة الأنعام : 59 ) . وقد اشتمل عليهما عبارة وإشارة قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ( سورة الأنبياء : 22 ) أما الدليل الخطابي المدلول عليه بطريقة العبارة فهو لزوم فساد السماوات والأرض بخروجهما عن النظام المحسوس عند تعدد الآلهة ، ولا يخفى أن لزوم فسادهما إنما يكون على تقدير لزوم الاختلاف ، ومن البين أن الاختلاف ليس بلازم قطعا ؛ لإمكان الاتفاق ، فلزوم الفساد لزوم عادي « 3 » ، وقد أشار إليه الإمام الرازي حيث قال : أجرى اللّه تعالى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر ، ولا يخفى على ذوي العقول السليمة أن ما لا يكون في نفس الأمر لازما وقطعيا لا يصير بجعل الجاعل ، وتسميته إياه برهانا دليلا قطعيا زعما أن تسميته قطعيا وبرهانا صلابة في الدين ونصرة للاسلام والمسلمين ، هيهات هيهات ، فإن ذلك يكون « 4 » مدرجة لطعن الطاعنين . ونصرة الدين لا تحتاج إلى ادعاء ما ليس بقطعيّ قطعيا ؛ لاشتمال القرآن على الأدلة القطعية العقلية التي لا يعقلها إلا العالمون ، بطريق الإشارة
--> ( 1 ) منها : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) [ آل عمران ، 190 ] ، وقال : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء ، 22 ] . ( 2 ) ليست في ( م ) ( 3 ) اللزوم : عملية عقلية يدرك بها الناظر الباحث واقع اقتران بين قضيتين ، فيصدر بالاستناد إليها حكما شرطيا ، هو إدراك مباشر . واللزوم قد يكون له مقتضى عقلي من الواقع أو البديهيات ، وإما أن يكون اتفاقيا في الواقع وهو اللزوم العادي . ( 4 ) ليست في ( ط ) .