ابن أبي شريف المقدسي

76

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

عن الاعتراض والتكفير بما رأيت أن أسوقه بلفظه لاشتماله على فوائد : قال رحمه اللّه تعالى : « الإفاضة في الجواب على وجه يرشد إلى الصواب يتوقف على ما أورده الإمام حجة الإسلام رحمه اللّه ، مما حاصله أن الأدلة على وجود الصانع وتوحيده تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلب ، والطبيب إن لم يكن حاذقا مستعملا للأدوية على قدر قوة الطبيعة وضعفها كان إفساده أكثر من إصلاحه ، كذلك الإرشاد بالأدلة إلى الهداية إذا لم يكن على قدر إدراك العقول كان الإفساد للعقائد بالأدلة أكثر من إصلاحها ، وحينئذ يجب أن لا يكون طريق « 1 » الإرشاد لكل أحد على وتيرة واحدة ، فالمؤمن المصدق سماعا أو تقليدا لا ينبغي أن تحرك عقيدته بتحرير الأدلة ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر من التصديق ، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني . والجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصرّ على الباطل لا تنفع معه الحجة والبرهان ، وإنما ينفع معه السيف والسنان . والشاكون الذين فيهم نوع ذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي المفيد للقطع واليقين ينبغي أن يتلطّف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم ، لا بالأدلة اليقينية البرهانية ، لقصور عقولهم عن إدراكها ؛ لأن الاهتداء بنور العقل المجرد عن الأمور العادية لا يخص اللّه تعالى به إلا الآحاد من عباده ، والغالب على الخلق القصور والجهل ، فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش ، بل تضرهم الأدلة القطعية البرهانية كما تضر رياح الورد للجعل « 2 » وفي مثل هذا قيل : فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم وأما الفطن الذي لا يقنعه الكلام الخطابي فتجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني .

--> ( 1 ) ليست في ( م ) . ( 2 ) في لسان العرب « الجعل » بفتح الجيم وتسكين العين : قصار النخل ، والنخل أيضا ، والجعل بفتح الجيم والعين : القصر مع السّمن ، واللّجاج أيضا ، والجعل بضم الجيم وفتح العين : دابة سوداء من دواب الأرض ، والجعل ، بضم الجيم وتسكين العين ، ما وضع على عمله ، ( لسان العرب ، 2 / 300 مادة جعل ) .