ابن أبي شريف المقدسي

74

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

العقل خلافه لم يكن ) ذلك الفرض ( فرض محال ؛ ) لأن تلك الأمور العادية ممكنة في ذواتها ، والممكن لا يستلزم في شيء من طرفيه محالا ، ( وذلك ) الاحتمال بهذا المعنى ( لا يوجب عدم الجزم المطابق ) للواقع ( بأن الواقع الآن خلاف ذلك الممكن فرضه ) ؛ لأن الاحتمال المنافي لهذا الجزم هو أن يكون متعلق التمييز محتملا لأن يحكم فيه المميز بنقيضه في الحال ؛ كما في الظن ، أو في المآل ؛ كما في الجهل المركب والتقليد ، ومنشؤه ضعف ذلك التمييز ؛ إما لعدم الجزم أو لعدم المطابقة أو لعدم استناده إلى موجب ، وهذا الاحتمال هو المراد في التعريف لا الاحتمال بالمعنى الأول . ( فأثبتوا فيه ) أي : في العلم العادي ( ثبوت الجزم والمطابقة ) للواقع ( والموجب ) و ( أعني ) بالموجب « 1 » ( العادة القاضية التي لم يوجد قط خرمها ) وهي أحد أقسام الموجب في قولهم في تعريف العلم : إنه حكم الذهن الجازم المطابق للواقع لموجب إذ الموجب الذي يستند إليه الجزم ؛ إما حس أو عقل أو عادة ، ( وذلك ) أي : ما ثبت فيه الجزم والمطابقة والموجب ( هو معنى العلم القطعيّ بأن الواقع كذا ، فيحصل ) أي : فبسبب العادة التي لم يوجد قط خرمها يحصل ( لنا العلم القطعيّ بأن الواقع الفساد على تقدير تعدد الآلهة ؛ لأن العادة المستمرة التي لم يعهد قط اختلالها في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة عدم الإقامة على موافقة كلّ للآخر في كل جليل وحقير ) من الأمور ، ( بل تأبى نفس كل ) منهما دوام الموافقة ، ( وتطلب الانفراد بالمملكة والقهر ) للآخر ، ( فكيف بالإلهين ؟ والإله ) أي : والحال أن الإله ( يوصف بأقصى غايات التكبر ، كيف لا تطلب نفسه الانفراد بالملك والعلو على الآخر ، كما أخبر اللّه سبحانه بقوله : وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ( سورة المؤمنون : 91 ) هذا ) أمر ( إذا تؤمّل لا تكاد النفس تخطر ) للمتأمل ( نقيضه ) أصلا ، ( فضلا عن إخطار فرضه ) أي : فرض النقيض ( مع الجزم بأن الواقع هو ) الطرف ( الآخر ، وعلى هذا التقدير هو علم قطعيّ ) لا تردد فيه بوجه ، ( وإنما غلط من قال غير هذا ) بأن قال : إن الآية حجة إقناعية ( من قبل ) أي : من جهة ( أنه إذا أخطر ) بباله ( النقيض ، أعني : دوام اتفاقهما لم يجده مستحيلا في العقل ، وينسى )

--> ( 1 ) الموجب عند المتكلمين : هو الواجب في ذاته وفي صفاته ؛ أي لا يحتاج فيهما إلى علة ، ولا يقبل العدم ، وهو موجد الممكن الذي يحتاج إلى علة ، أما هنا فالقصد يتجه إلى أن الموجب هو الدليل الذي يتوصل به بصحيح النظر إلى الحقيقة ؛ وهو إما دليل عقلي أو حسي أو عادي .