ابن أبي شريف المقدسي

65

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

والآخرة جائزة عقلا ، واختلفوا في جوازها سمعا في الدنيا ؛ فأثبته قوم ونفاه آخرون » « 1 » . وهل يجوز أن يرى في المنام ؟ فقيل : لا ، وقيل : نعم ، والحق أنه لا مانع من هذه الرؤيا وإن لم تكن رؤيا حقيقة « 2 » . ولا خلاف عندنا أنه تعالى يرى ذاته المقدسة . والمعتزلة حكموا بامتناع رؤيته عقلا لذي الحواس ، واختلفوا في رؤيته لذاته . وأما المقام الثالث [ في وقوعها سمعا ] : فقد أطبق أهل السنة على وقوع الرؤية في الآخرة ، واختلفوا في وقوعها في الدنيا . ومقصود المصنف - كحجة الإسلام - في هذا المقام الاستدلال على وقوعها في الآخرة ، فقدّما الاستدلال عليه بالنقل أيضا « 3 » ، ثم استدلا بالنقل على الجواز على أنه يلزم من ثبوت الوقوع في الآخرة بدليله ثبوت الجواز ، ثم استدلا بالعقل على الجواز . ( أما ) الحكم بالوقوع في الآخرة ( نقلا ) أي : من جهة النقل ( فلقوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) ) أي : ذات نضرة ؛ وهي تهلّل الوجه وبهاؤه ( إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) ( سورة القيامة : 23 ) تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه . فتقديم المعمول على هذا للحصر ادعاء ، ويصح كونه لمجرد الاهتمام ورعاية الفاصلة دون الحصر ، ويكون المعنى : مكرمة بالنظر إلى ربها . ( وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر ليس بينكم وبينه سحاب ؟ كذلك ترون ربّكم » « 4 » ) والحديث في الصحيحين بألفاظ منها :

--> ( 1 ) انظر : غاية المرام في علم الكلام ، ص 159 . ( 2 ) في جواز رؤية اللّه في المنام خلاف مشهور مبني على أن الرؤية المنامية لا تكون بالحاسة البصرية وإنما هي تمثّلات خيالية وتصورات مثالية ، مستندة إلى عالم الشهود والمعاينة ، فهي ليست حقيقة ، إلا أن البعض قال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه بفؤاده ، وفي رؤية اللّه في الدنيا اتفاق على أنه لا يجوز لغير النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أما للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فاختلف في ذلك على أساس حديث المعراج ، والصحيح أنه لم يره بعينه . انظر : شرح الفقه الأكبر ، ص 184 . ( 3 ) ليست في ( ط ) . ( 4 ) ورد في هذا المعنى وليس بلفظه عند البخاري في مواقيت الصلاة فضل صلاة العصر برقم : ( 529 ) ، ومسلم برقم ( 633 ) ، وأبو داود ( 4729 - 4730 ) ، والترمذي ( 2554 - 2557 ) .