ابن أبي شريف المقدسي
57
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
الاختصاص بالجهة اختصاصه بحيّز هو كذا ) أي : معين من الأحياز ( قد بطل اختصاصه بالحيّز لبطلان الجوهرية والجسمية ) في حقه تعالى ، إذ الحيّز « 1 » مختص بالجوهر والجسم ، وقد مر تنزيهه عنهما سبحانه ، وأما العرض فلا اختصاص له بالحيّز إلا بواسطة كونه حالّا في الجوهر ، فهو تابع لاختصاص الجوهر ، فبطلان الجوهرية والجسميّة كاف في بطلانه ، ( فإن أريد بالجهة ) معنى ( غير هذا مما ليس فيه حلول حيّز ولا جسمية فليبين ) أي : فليبينه من أراده ( حتى ينظر فيه أيرجع إلى التنزيه ) عما لا يليق بجلال الباري سبحانه ( فيخطّأ ) من أراده ( في مجرد التعبير ) عنه بالجهة ، لإيهامه ما لا يليق ، ولعدم وروده في اللغة ( أو ) يرجع ( إلى غيره ) أي : غير التنزيه ( فيبين فساده ) لقائله وغيره صونا عن الضلالة ، واللّه ولي التوفيق . فإن قيل : فما بال الأيدي ترفع إلى السماء وهي جهة العلو ؟ أجيب : بأن السماء قبلة الدعاء تستقبل بالأيدي كما أن البيت قبلة الصلاة تستقبل بالصدر والوجه ، والمعبود بالصلاة والمقصود بالدعاء منزّه عن الحلول بالبيت والسماء ، وقد ذكر حجة الاسلام في « الاقتصاد » « 2 » سر الإشارة بالدعاء إلى السماء على وجه فيه طول فليراجعه من أراده .
--> ( 1 ) الحيز : هو الإطار الذي يشغله الجوهر أو الجسم في الفراغ ، فكل مكان مملوء بحيز من الفراغ ، وقد أنكر الفلاسفة ما قاله المتكلمون ، وقالوا بامتناع الفراغ ، ومثّلوا له : بما لو كانت زجاجة مملوءة بالماء وكان أسفلها ثقب صغير وأمسكنا على فمها لوقف الماء ولم يتحرك ، وإذا فتحنا فم الزجاجة خرج الماء من الثقب ، وما ذاك إلا لأن المحل ممتلئ بالمشاغل ولو كان خاليا لنزل الماء . ( 2 ) انظر : الاقتصاد في الاعتقاد ، ص 78 ، والسر المشار إليه هو : أن نجاة العبد متوقفة على تواضعه للّه في نفسه بعقله وقلبه ، ولما كان من أعظم الأدلة على خسة ابن آدم الموجبة للتواضع لربه أنه مخلوق من تراب ، فكلف أن يضع وجهه على التراب ، ومع التواضع يأتي التعظيم للّه باشتراك جوارح العبد ، وتعظيم الجوارح يتحقق بالإشارة إلى جهة العلو ، كما جرى في المجاورات عند الكلام على علو رتبة أمره في السماء السابعة ، وهو إنما ينبه على علو الرتبة .