ابن أبي شريف المقدسي

232

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

فقد تعود الحياة دون عود الروح خرقا للعادة ، وما يتوهم من امتناع الحياة بدون روح ممنوع « 1 » . ( ومن الحنفية القائلين بالمعاد الجسماني من قال بأنه توضع فيه الروح ) بحيث يدرك ما ذكرنا من اللذة والألم ، ( و ) أما ( قول من قال : إذا صار ترابا يكون روحه متصلا بترابه فيتألم الروح والتراب جميعا ) فهذا القول منه ( يحتمل قوله ) بالنصب ، أي : يحتمل أن يكون قائلا ( بتجرد الروح وجسمانيتها ) أي : وأن يكون قائلا بأنها جسم لطيف سار في البدن كما مر . ( وقد ذكرنا أن منهم ) أي : من الحنفية ( كالماتريدي وأتباعه من يقول بتجردها ) أي : الروح ، ( لكنه ) أي : الماتريدي ( نقل أثرا أنه قيل ) للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ( يا رسول اللّه كيف يوجع اللحم في القبر ولم يكن فيه روح ؟ فقال : « كما يوجع سنك وإن لم يكن فيه الروح » « 2 » ) قال : ( فأخبر أن السن يوجع لأنه متصل باللحم ، وإن لم يكن فيه الروح فكذا بعد الموت ، لما كان روحه متصلا بجسده يتوجع الجسد ) وإن لم يكن الروح فيه ، وهذا الأثر الذي ساقه لوائح الوضع عليه ظاهرة . ( ولا يخفى أن مراده بالتراب أجزاؤه ) أي : أجزاء الجسد ( الصغار ) وأنه يكفي اتصال الروح بما يحصل به إدراك الألم واللذة منها ، لا بجملتها . ( ومنهم ) أي : من الحنفية ( من أوجب التصديق بذلك ) أي : بعذاب القبر ونعيمه ( ومنع من الاشتغال بالكيفية ) أي : بكيفية عود الروح والإدراك ، ( بل ) طريقه هو ( التفويض ) أي : تفويض علم كيفية ذلك ( إلى الخالق عزّ وجلّ ) كما هو شأن السلف رضي اللّه عنهم في تفويض علم ما يشكل ظاهره إليه سبحانه وتعالى « 3 » . ( والأصح أن الأنبياء ) عليهم الصلاة والسلام ( لا يسألون ) في قبورهم ، ( ولا أطفال المؤمنين ) :

--> ( 1 ) لأن الاقتران بين الحياة والروح اقتران جعلي ليس ذاتيا ؛ فاللّه سبحانه هو الذي جعل في مستمر العادة أن تقترن حياة الأكوان بالأرواح ، وهو سبحانه القادر على بعث الحياة بدون أرواح ، طبقا لإرادته وقدرته المطلقتين . ( 2 ) لم نعثر على سند الحديث رغم استقصاء البحث . ( 3 ) التفويض : الانقياد لأمر اللّه تعالى وترك البحث والاعتراض فيما لا يلائم ، ويسمى أحيانا بالتسليم ، وأصله قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . ومثاله : ما قاله مالك عن الاستواء ما معناه : الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة . وكان هذا شأن السلف .