ابن أبي شريف المقدسي

226

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

ثم قال عقيب ذلك في « شرح المقاصد » : نعم ؛ ربما يميل كلامه وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أن معنى ذلك أن يخلق اللّه تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدنا فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن ، ولا يضرنا كونه غير البدن الأول بحسب الشخص ، ولا امتناع إعادة المعدوم بعينه « 1 » . اه . كلام « شرح المقاصد » . واعلم أن كلام الغزالي في « الاقتصاد » صريح في أن المعاد عين الأول ، فإنه قال بعد أن ذكر ذلك ، فإن قيل : بم يتميز المعاد عن مثل الأول ، وما معنى قولهم : إن المعاد هو عين الأول ؟ ، قلنا : المعدوم منقسم في علم اللّه تعالى إلى ما سبق له وجود ، وإلى ما لم يسبق له وجود ، كما أن العدم في الأزل انقسم إلى ما سيكون له وجود ، وإلى ما علم اللّه أنه لا يوجد ، وهذا الانقسام لا سبيل إلى إنكاره ، فالعلم شامل والقدرة واسعة ، ومعنى الإعادة أن يبدل الوجود بالعدم الذي سبق له الوجود ، ومعنى المثل أن يخترع الوجود لعدم لم يسبق له وجود « 2 » . ثم قال : وقد ظننّا « 3 » في هذه المسألة في كتاب « التهافت » « 4 » يعني : مؤلفه الذي سماه « تهافت الفلاسفة » وسلكنا في إبطال مذهبهم ، تقدير بقاء النفس التي هي غير متحيزة عندهم ، وتقدير عود تدبيرها إلى البدن ، سواء كان ذلك البدن هو عين جسم الإنسان أو غيره ، وذلك إلزام لا يوافق ما نعتقده ، فإن ذلك الكتاب مصنّف لإبطال مذهبهم ، لا لإثبات المذهب الحق ، ولكنهم لما قدروا أن الإنسان هو ما هو باعتبار نفسه ، وأن اشتغاله بتدبير البدن كالعارض له والبدن آلة له ، ألزمناهم بعد اعتقادهم بقاء النفس وجوب التصديق بالإعادة ، وذلك برجوع النفس إلى تدبير بدن من الأبدان « 5 » . اه كلام « الاقتصاد » . وفيه من إبعاد حجة الإسلام عما نسب إليه ما لا يخفى .

--> ( 1 ) شرح المقاصد ، 5 / 90 . ( 2 ) مراتب الوجود : 1 - الموجود بالفعل ، 2 - وممتنع الوجود الذي يدرك على المستوى الذهني كمفهوم ولكنه ممتنع الوجود وترتيبه تسامحا ، 3 - وغير الموجود الخارجي أي : الثابت الذي وجد ثم عدم أو معدوم وسيوجد . ( 3 ) في النسخة المحققة للكتاب : « وقد أطنبنا » وهو اللائق . ( 4 ) انظر : تهافت الفلاسفة ، ص 260 . ( 5 ) الاقتصاد في الاعتقاد ، ص 234 .