ابن أبي شريف المقدسي

189

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

تركه في الحكمة والعناية الإلهية ؛ لكنها عندهم بمعنى مخالف لمعناها عند أهل الحق ، فإنهم يرون أنها مكتسبة ، وينكرون صدور البعثة عن الباري تعالى بالاختيار ، لإنكارهم كونه تعالى مختارا ، وينكرون كونها بنزول الملك من السماء بالوحي لإنكارهم نزول الملك لاستحالة خرق الأفلاك عندهم ، وينكرون كثيرا مما علم بالضرورة مما جاء به الأنبياء به كحشر الأجساد ، والجنة والنار ، وذلك الإنكار مما كفروا به « 1 » . وطريق المعتزلة بيّنها المصنف بقوله : ( وقد قالت المعتزلة بوجوب البعثة ) على اللّه تعالى ( لما عرف من أصلهم ) الفاسد ( في وجوب الأصلح ) عليه تعالى ، كذا نقل في « المقاصد » و « شرحه » « 2 » الوجوب عن المعتزلة مطلقا ، والذي في « المواقف » « 3 » أن بعض المعتزلة قال : تجب البعثة على اللّه تعالى ، وفصّل بعضهم فقال : إذا علم اللّه من أمة أنهم يؤمنون وجب الإرسال إليهم ، لما فيه من استصلاحهم ، وإن علم أنهم لا يؤمنون لم يجب ، ولكن يحسن قطعا لإعذارهم ، وهو أيضا مبني على أصلهم الفاسد وهو التحسين والتقبيح عقلا . ( وقول جمع من متكلمي الحنفية مما وراء النهر أن إرسالهم ) أي : الأنبياء ( من مقتضيات حكمة الباري ) أي : من الأمور التي اقتضتها حكمته ( جلّ ذكره ، فيستحيل أن لا يكون ) أي : أن لا يوجد الإرسال ، هذا المقول ( عند تفهم معنى وجوب الأصلح مما قدمناه ) في الأصل الرابع من هذا الركن ( هو معناه ) أي : مقول قول الجمع المذكورين هو معنى قول المعتزلة بوجوب البعثة أو بوجوب الأصلح ، ف « قول » مبتدأ والظرف وهو قوله : « عند » حال من « القول » ، و « هو » ضمير الفصل ، والخبر قوله : « معناه » . وما قدمه في الأصل الرابع في معنى الوجوب هو قوله هناك : « واعلم أنهم يريدون بالواجب . . . الخ » « 4 » .

--> ( 1 ) وقد تتبع الإمام أبو حامد الغزالي ما تهافتوا فيه ، ونقض إنكاراتهم في كتابه القيم ( تهافت الفلاسفة ) ، وعلى رغم رد ابن رشد عليه في تهافت التهافت فإن تأثير الغزالي بكتابه كان قويا ، وانكمشت بعده رقعة الإنكار . ( 2 ) انظر : شرح المقاصد ، 5 / 5 ، 7 . ( 3 ) انظر : المواقف ، ص 342 . ( 4 ) الواجب عند المعتزلة : هو الذي يشتمل تركه على مفسدة ، وعلى ذلك أوجبوا على اللّه أمورا منها : اللطف ، الثواب على الطاعة لاستحقاق العبد ، العقاب على المعصية لاستحقاقها أيضا ، الأصلح للعبد في الدنيا ، بناء على أن تركها يؤدي إلى مفاسد .