ابن أبي شريف المقدسي

190

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

( وقوله في « عمدة النسفي » ) : أي : قول أبي البركات النسفي في « عمدته » ( في البعثة ) أنها ( في حيّز الإمكان ، بل في حيز الوجوب تصريح به ) أي : بالوجوب ، وعبارته : « إرسال الرسل مبشرين ومنذرين في حيز الإمكان بل في حيز الوجوب » « 1 » ، وظاهره استحالة تخلفه ( لكنه ) أي : صاحب « العمدة » ( أراد به ) أي : بالوجوب ( خلاف ظاهره ) ويمكن حمله على إرادة وجوب الوقوع لتعلق العلم القديم بوقوعه ، فإن ذلك لا ينافي إمكانه في نفسه ، ( إذ الحق أن إرسالهم لطف من اللّه ) تعالى ( ورحمة ) منّ بها ( على عباده ، ومحض فضل وجود ) والجمع بين هذه الألفاظ المتقاربة المعنى لتوفية مقام الإطناب حقه من تقرير المعنى وتأكيده ، إذ « اللطف » هنا : إيصال البر على وجه الرفق دون العنف ، و « الرحمة » : إرادة إيصال البر أو إيصاله ، و « الجود » : إفادة ما ينبغي لا لعوض ، والكمال في كل منها ليس إلا له ( لا إله إلا هو أرحم الراحمين ) . وقد تحصل لك مما قدمه أن من فوائد بعثة الأنبياء الاهتداء إلى ما ينجي في الآخرة ، لقصور العقل عن إدراكه ، وبيان ما يقصر العقل عن إدراكه سوى ذلك ، وتعاضد الشرع والعقل فيما أدركه العقل ، ورفع الاحتمال فيما تردد فيه العقل ( وفي تفصيل محاسن إرسالهم ) أي : الأنبياء ( وفوائده ) المترتبة عليه ( طول ) لا يليق بمثل هذا التأليف اللطيف الحجم ( وفي تأمل اللبيب ما يستخرجها ) أي : تلك الفوائد فيغني عن ذكرها ، ونحن نذكر منها بعضا كما هو وظيفة الشرح : فمنها : بيان منافع الأغذية والأدوية ومضارها التي لا تفي بها التجربة إلا بعد أدوار وأطوار ، مع ما فيها من الخطر . ومنها : تعليم الصنائع الخفية من الحاجيات والضروريات . ومنها : تكميل النفوس البشرية بحسب استعداداتها المختلفة في العلميات والعمليات . ومنها : تعليم الأخلاق الفاضلة المتعلقة بصلاح الأشخاص ، والعادات « 2 » الكاملة المتعلقة بصلاح الجماعات من أهل المنازل والمدن . ( هذا ) تمام الكلام في البعثة وفوائدها . وأما المبعوثون فالإيمان بهم واجب ، من ثبت شرعا تعيينه منهم وجب الايمان بعينه ، ومن لم يثبت تعيينه كفى الإيمان به إجمالا ( ولا ينبغي في الإيمان بالأنبياء القطع بحصرهم في عدد ) ، إذ لم يرد بحصرهم دليل قطعي ؛ ( لأن )

--> ( 1 ) العمدة ، ص 15 . ( 2 ) في ( م ) : السّيادات .