ابن أبي شريف المقدسي
188
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
شوال « 1 » ، ( وما تردد فيه ) العقل دون رجحان لأحد الطرفين عنده ( رفع عنه الاحتمال فيه ) كشكر المنعم قبل ورود الشرع ، إذ يحتمل أن يمنع من الإتيان به لأنه تصرف في ملك اللّه سبحانه بغير إذن منه ، ويحتمل أن يمنع من تركه لكونه ترك طاعة ، ( وإن غلب ظن حسنه ) فكان قبحه متوهما ( قطع ) ما جاء به النبيّ ( مزاحمة الوهم فيه للعقل ) « 2 » . وقوله : ( ولأن ) هذا هو الوجه الثالث ، والعطف فيه على المنوال السابق ، وتقريره : أن ( العقول تتفاوت ) فقد يستحسن جماعة فعلا ويستقبحه آخرون ، ( فالتفويض إليها ) أي : العقول ( يؤدي إلى فساد التقاتل ) أي : القتال ، ( و ) فساد ( الخراب ) للتنازع المؤدي إليهما ، ( والنهي ) عن الإقدام على الفعل المتنازع فيه ( المخبر به النبيّ ) أي : نهي الإله الذي يخبر به عنه النبي ( يحسم هذه المادة ) أي : مادة الفساد الذي يؤدي إليه التنازع . ( وما قيل ) من قبل المنكرين للنبوة ( أنه ) أي : البعث ( يتوقف على علم المبعوث ) أي : النبي ( بأن الباعث له هو اللّه تعالى ولا سبيل ) له ( إليه ) إذ لعله من إلقاء الجن ، فإنكم معشر المليّين على القول بوجود الجن وعلى جواز إلقائهم الكلام إلى النبي ( فممنوع ، ) خبر « ما قيل » ، وقد ذكر سند المنع لوجهين : الأول : بقوله : ( إذ قد ينصب ) الباعث تعالى ( له ) أي : للمبعوث ( دليلا ) يعلم به أن الباعث له هو اللّه سبحانه وتعالى ، بأن يظهر له آيات ومعجزات ليس مثلها من شأن مخلوق تفيده هذا العلم . والثاني : بقوله : ( أو يخلق ) بالبناء للمفعول ( له ) أي : للمبعوث ( علم ضروري ) بأن الباعث له هو اللّه سبحانه وتعالى . واعلم أن الفلاسفة يثبتون النبوة لكن على وجه مخالف لطريق أهل الحق ، لم يخرجوا به عن كفرهم ، فإنهم يرون أن النبوة لازمة في حفظ نظام العالم المؤدي إلى صلاح النوع الإنساني على العموم ، لكونها سببا للخير العام المستحيل
--> ( 1 ) وهو بحث معقول المعنى وغير معقول المعنى : فالعبادة المحضة غير معقولة المعنى ؛ أي غير مفهومة ، وهي دائما مفتقرة إلى نية ؛ كالصلاة وغيرها ، مما أمرنا بالتعبد بها دون البحث عن القصد ، أما المعقول فهو مفهوم المعنى كغسل النجاسة فإنها غير مفتقرة إلى نية . انظر : بداية المجتهد ، ص 8 . ( 2 ) الوهم : هو إدراك أمر غير محسوس ، يتعلق غالبا بالأمور الكاذبة المخالفة للواقع ، ويكون دائما في سير معاكس لاتجاه العقل ، فربما يحكم العقل بإثبات شيء ويقوم الوهم بخلافه ، ويتحدد دائما في صورة طرف المرجوح وترك الراجح ، لذا عبر المصنف ابن الهمام ( بمزاحمة الوهم فيه للعقل ) .