ابن أبي شريف المقدسي

187

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

وقد حاول المصنف مستند النقل المحقق فقال : ( وكأنه لما كان حاصل دليلهم ) أي : البراهمة المنقول عنهم استحالة البعثة ( نفي الفائدة ) في البعثة بزعمهم الباطل قالوا : ( لأن ما جاء به ) الرسول ( إما موافق لمقتضى العقل ) بأن يدرك العقل حسنه ( فلا حاجة إليه ) إذ العقل مغن عنه ، ( أو مخالف ) لمقتضى العقل « 1 » بأن يدرك قبحه ( فيترك ) عملا بالعقل ، إذ هو حجة اللّه على خلقه ، ( ظن عدم الاستحالة ) جواب ل « ما » ، أي : لمّا كان حاصل دليل البراهمة ما ذكر ظن الناظر فيه أن البعثة ليست مستحيلة عندهم ، وأنهم إنما يقولون بعدم الاحتياج إلى البعثة لا باستحالتها ( لكن يبعد أن يخفى عليه ) أي : على هذا المحقق ( أن نفيهم الفائدة في أفعال اللّه تعالى يوجب القول بالاستحالة عند هؤلاء وأضرابهم ) ممن يعتبر تحسين العقل وتقبيحه ( لاستحالة العبث ) في أفعاله تعالى ، ( وهو ما لا فائدة فيه ) . ( والجواب ) عن استدلالهم من وجوه : الأول : ( إن العقل لا يهتدي إلى الأفعال المنجية في الآخرة ) ليأتي بها ، ( كما لا يهتدي ) أي : العقل ( إلى تمييز الأدوية المفيدة للصحة من السمومات ) المهلكة ( إلا بالطبيب ) العارف بها لتمييزها ويوقف عليها ، ( فالحاجة إليه ) أي : إلى الرسول ( كالحاجة إليه ) أي : إلى الطبيب ، إذ الرسالة سفارة بين الحق تعالى وبين عباده ليزيح بها عللهم فيما قصرت عنه عقولهم . وقوله : ( ولأن ) عطف باعتبار التوهم ، إذ المعنى : البعثة جائزة واقعة لا غنى عنها أبدا سرمدا لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن العقل لا يهتدي . . . الخ ، ولأن ( العقل ) وهو الوجه الثاني من أوجه الجواب ، ولو قال : « وأن » لما احتاج إلى التأويل ، إذ المراد : والوجه الثاني أن العقل ( لا يستقل بالكل ) أي : بإدراك كل الأمور ، بل يدرك البعض استقلالا ويقصر عن إدراك البعض ، فلا يهتدي إليه بوجه ، ( ويتردد في البعض : فما استقل ) العقل ( به ) أي : بإدراكه ؛ كوجود الباري تعالى وعلمه وقدرته ( عضده ) ما جاء به النبي ( وأكده ، ) فكان بذلك بمنزلة تعاضد الأدلة العقلية إلزاما بالنقلية ، ( وما قصر ) العقل ( عنه ) أي : عن إدراكه كالرؤية والمعاد الجسماني و ( كقبح الصوم في يوم كذا ) كأول شوال وعاشر ذي الحجة ، ( وحسنه في يوم كذا ) كآخر رمضان ( بيّنه ) النبي ، إذ العقل يقصر عن إدراك الرؤية والمعاد الجسماني وإدراك حسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من

--> ( 1 ) في ( م ) : الفعل .