ابن أبي شريف المقدسي

184

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

المملوك لا استقلال له بتصرف « 1 » . ولما كان هذا المقام بحيث قد يتوهم متوهم فيه أن الحكمة بمعنى الغرض تعرض المصنف للفرق بينهما فقال : ( واعلم أن قولنا : له ) سبحانه وتعالى ( في كل فعل حكمة ، ظهرت ) تلك الحكمة ( أو خفيت ) فلم تظهر ، ( ليس هو ) أي : الحكمة ( بمعنى الغرض ، ) وتذكير الضمير باعتبار أن الحكمة معنى ، ويصح أن يكون الضمير ل « قولنا » ، أي : ليس قولنا : إن له حكمة بمعنى أن له غرضا ، هذا ( إن فسّر ) الغرض ( بفائدة ترجع إلى الفاعل ، فإن فعله تعالى وخلقه العالم لا يعلّل بالأغراض ) بهذا التفسير للغرض ؛ ( لأنه ) أي : الفعل لغرض بهذا التفسير يقتضي استكمال الفاعل بذلك الغرض ، لأن حصوله للفاعل أولى من عدمه ، وذلك ( ينافي كمال الغنى عن كل شيء ) ، وقد قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( سورة العنكبوت : 6 ) ) وقال تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ( سورة محمد : 38 ) . ( وإن فسّر ) الغرض ( بفائدة ترجع إلى غيره ) تعالى ، بأن يدرك رجوعها إلى ذلك الغير كما نقل عن الفقهاء من أن أفعاله تعالى لمصالح ترجع إلى العباد تفضلا منه ( فقد تنفي أيضا إرادته من الفعل ) نظرا إلى تفسير الغرض بالعلة الغائية « 2 » التي تحمل الفاعل على الفعل ، لأنه يقتضي أن يكون حصوله بالنسبة إليه تعالى أولى من لا حصوله ، فيلزم الاستكمال المحذور ، ( وقد تجوز ) إرادته من الفعل نظرا إلى أنه منفعة مترتبة على الفعل لا علة غائية حاملة على الفعل ، حتى يلزم الاستكمال المحذور ( والحكمة على هذا ) التفسير ( أعم منه ) أي : من الغرض ، لأنها إذا نفيت إرادتها من الفعل سميت غرضا ، وإذا جوّزت كانت حكمة لا غرضا . ( وأما أحكامه ) سبحانه وتعالى ( فمعلّلة بالمصالح ودرء المفاسد عند الفقهاء ،

--> ( 1 ) في هذا قياس للغائب على الشاهد ، فإننا نشاهد أن العبد تحت ولاية سيده ، لا يملك حق التصرف المستقل ، بل الأمر عائد إلى سيده إن شاء أذن له وإن شاء أمسك ، وهذا القياس جائز مع نفي المماثلة بين المستويين ( الإلهي والبشري ) . ( 2 ) العلة الغائية : عند الأصوليين : هي الباعث على الحكم ، وعند المتكلمين والمناطقة : هي ما لأجله يتحرك نحو الشيء ويوجده ، كصناعة الكرسي للجلوس عليه ، فهي باعثة على الغرض والمقصد ، وهذه العلة منتفية عن أفعال اللّه تعالى ، لأن إرادة اللّه مطلقة لا يشوبها أي معنى من معاني الحمل والجبر ، والعلة الموجودة في القرآن في مثل قوله تعالى وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً . . . وغيرها إنما هي علة جعلية وضعها اللّه تعالى كرابط من محض المشيئة . لكن لا بدّ من ملاحظة أن أفعال اللّه سبحانه ليست عبثية ، بل ترمي إلى مصالح وحكم يعلمها دون أن تكون عللا غائية دافعة .