ابن أبي شريف المقدسي

177

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

( لما ألزم ) المعتزلة ( القائلون بنفي الكلام النفسي القديم ) الأشاعرة القائلين بإثباته ( الكذب على تقدير قدمه في الإخبارات ) قالوا : قد أخبر اللّه تعالى بلفظ الماضي ، نحو : إِنَّا أَنْزَلْناهُ ( سورة القدر : 1 ) إِنَّا أَرْسَلْنا ( سورة نوح : 1 ) ، ولا شك أنه لا إنزال ولا إرسال في الأزل ، فلو كان كلامه قديما لكان كذبا ؛ لأنه إخبار بالوقوع في الماضي ، ولا يتصور ما هو ماض بالقياس إلى الأزل ، فالكذب مفعول ل « ألزم » ، و « في الإخبارات » ظرف للكذب ، والضمير في « قدمه » للكلام ( وهو ) أي : الكذب ( مستحيل عليه ) تعالى ( لأنه نقص ) . وقد أجاب الأشاعرة عنه : بأنه إنما يدل على حدوث اللفظ وهو غير المتنازع كما هو محقق في محله ، وقد مر في مباحث صفة الكلام . وقوله : ( حتى قال بعضهم ) غاية لقوله : « حتى تحير كثير منهم » ، أي : فأدى تحير الكثير من أكابر الأشاعرة إلى أن قال بعضهم : ( ونعوذ باللّه مما قال ، لا يتم استحالة النقص عليه ) تعالى ( إلّا على رأي المعتزلة القائلين بالقبح العقلي « 1 » ، و ) حتى ( قال إمام الحرمين : « لا يمكن التمسك في تنزيه الرب جلّ جلاله عن الكذب بكونه نقصا لأن الكذب عندنا لا يقبح لعينه » « 2 » ، و ) حتى ( قال صاحب « التلخيص » « 3 » : « الحكم بأن الكذب نقص إن كان عقليا كان قولا بحسن الأشياء وقبحها عقلا ، وإن كان سمعيا لزم الدور » « 4 » ، وقال صاحب « المواقف » : « لم يظهر لي فرق بين النقص العقلي والقبح العقلي بل هو هو بعينه » ) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ المتن ، وهو نقل عن « المواقف » بالمعنى ، وعبارة « المواقف » : « لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل والقبح العقلي ، فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي » « 5 » . اه . ( وكل هذا منهم ) أي : من القائلين المذكورين ( للغفلة عن محل النزاع حتى

--> ( 1 ) انظر : شرح المقاصد ، 4 / 159 . ( 2 ) الإرشاد ، ص 279 . ( 3 ) هو أبو إسحاق الأسفراييني ؛ الإمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الأسفراييني ، الملقب بركن الدين ، عرف بالاجتهاد والورع . توفي سنة ( 418 ه ) . له : « التعليقة في أصول الفقه » وغيره . ( وفيات الأعيان : 1 / 908 ) . ( 4 ) التلخيص كتاب للشهرستاني وعنوانه كاملا : « تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام في الكلام » . ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون : 1 / 472 ، وطاش كبرى في مفتاح السعادة : 1 / 264 . ( 5 ) المواقف ، ص 296 .