ابن أبي شريف المقدسي

168

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

والموجب هو اللّه تعالى ؛ لأنه المرجح ، ومعنى قول الرسول أن النظر في المعجزة واجب هو أنه مرجح على تركه لترجيح اللّه تعالى إياه ، فالرسول مخبر عن الترجيح ، والمعجزة دليل صدقة في إخباره ، والنظر سبب لمعرفته الصدق ، والعقل آلة للنظر ولفهم معنى الخبر ، والطبع مستحثّ على الحذر من الضرر بعد فهم المحذور بالعقل ، وبهذا تبين أن مدخل العقل من جهة أنه آلة للفهم ، لا أنه موجب . ( وثمرة هذا الخلاف ) تظهر ( في ) حكم ( من لم تبلغه دعوة رسول فلم يؤمن حتى مات ) وهو على ذلك ، فحكمه أنه ( يخلد في النار على قول المعتزلة وعلى ) قول ( الفريق الأول من الحنفية ) أبي منصور وأتباعه وعامة مشايخ سمرقند ، وهو وجوب الإيمان باللّه عقلا قبل البعثة ( دون الفريق الثاني ) أي : أئمة بخارى ( منهم ) أي : من الحنفية ( و ) دون ( الأشاعرة ) وهو أنه لا يجب إيمان قبل البعثة ، فمن مات ولم تبلغه دعوة رسول ليس من أهل النار « 1 » . ( وإذا لم يكن ) من لم تبلغه الدعوة ( مخاطبا بالإسلام عند هؤلاء فأسلم ) أي : أتى بما يمكنه الإتيان به من مسمى الإسلام بأن صدّق بالوحدانية وما يجب للّه سبحانه ، وهذا بعض مسمى الإسلام ( هل يصح إسلامه ) بمعنى أنه يثاب عليه في الآخرة ( عند ) الفريقين من ( الحنفية ؟ ) ( نعم ) يصح إسلامه بالمعنى المذكور ، ( كإسلام الصبي الذي يعقل معنى الإسلام والتكليف ) فإن إسلامه صحيح عند الحنفية ، فيترتب عليه عندهم التوارث بينه وبين قريبه المسلم وسائر أحكام الإسلام في الدنيا والآخرة ، ( وذكر بعض مشايخ الحنفية أنه سمع أبا الخطاب « 2 » من مشايخ الشافعية يقول : لا يصح إيمان من لم تبلغه دعوة ، كإيمان الصبي ، ) فإنه لا يصح ( عندهم ) على المرجح من مذهبهم فيه . وتحقيقه أن إسلام الصبي المميز عندهم إنما يكون بالتبعية لأصله أو لسابيه أو لدار الإسلام ، وأما إسلامه بنفسه استقلالا ففيه عندهم أوجه ثلاثة :

--> ( 1 ) هذا هو الرأي السائد داخل مذهب الأشاعرة ، بناء على أن شكر المنعم واجب شرعا وليس عقلا ، ويبدو أنه المذهب الأقرب توافقا مع كثير من النصوص . ( 2 ) أبو الخطاب : الطبري البخاري ؛ وهو أحمد بن أحمد بن محمد . كان أستاذا في علم الخلاف والنظر . ولد سنة 497 ه وذكره الذهبي ولم يؤرّخ وفاته . ( طبقات الشافعية ، للأسنوي : 2 / 68 ) .