ابن أبي شريف المقدسي

169

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

المرجح منها : أنه لا يصح لأنه غير مكلف فأشبه غير المميز ، ولأن نطقه بالشهادتين إما إنشاء وإما خبر هو إقرار أو شهادة ، وخبره غير مقبول إقرارا كان أو شهادة ، وعقوده التي ينشئها باطلة ، ولأن إسلامه التزام ؛ إذ معناه انقدت للّه وألزمت نفسي أحكامه فهو كالضمان ، والتزام الصبي لا يصح ؛ ولكن على هذا الوجه إذا أتى بالشهادتين يحال بينه وبين أبويه وأقاربه الكفار لئلا يفتنوه كما هو مقرر في كتب الفقه . والوجه الثاني : أن إسلامه صحيح وبه قالت الأئمة الثلاثة ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا عليا إلى الإسلام فأجابه ، ولا يلزم من كون الصبي غير مكلف أن لا يصح إسلامه ، فإن عباداته من صلاة وصوم ونحوهما صحيحة ، وقال إمام الحرمين : « قد صححوا إحرامه ، والفرق بينه وبين الإسلام عسر » ، وقد أجيب عن هذا القياس بالفرق بأن صلاة الصبي وصومه ونحوهما يقع نفلا ، والإسلام لا يتنفل به ، وعن إسلام علي رضي اللّه عنه بما نقله البيهقي في كتابه « معرفة السنن والآثار » من أن الأحكام إنما علقت بالبلوغ بعد الهجرة عام الخندق ، وأما قبل ذلك فكانت منوطة بالتمييز « 1 » . واعلم أنه قد صرح مصنفو فقهاء الشافعية بأن نفيهم صحة إسلام الصبي استقلالا هو بالنسبة إلى أحكام الدنيا ؛ من عدم التوارث بينه وبين المسلم ، وبقاء التوارث بينه وبين الكافر ونحو ذلك ، أما بالنسبة إلى الآخرة فقال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني من أئمتهم : « إذا أضمر الصبي الإسلام كما أظهره كان من الفائزين » « 2 » ، وإن لم يتعلق بإسلامه أحكام الدنيا كما نقله الشيخان ، ونقلا أن إمام الحرمين استشكله بأن من يحكم له بالفوز بإسلامه كيف لا يحكم بإسلامه ، قال الرافعي « 3 » : « وقد يجاب عنه بأنا قد نحكم بالفوز في الآخرة وإن لم نحكم بالإسلام في الدنيا ، كما في البالغ العاقل الذي لم تبلغه الدعوة ، واعتراضه ابن الرفعة « 4 » بالفرق بأن من تبلغه الدعوة لم نحكم بفوزه لإسلامه ، بل بعدم تعلق

--> ( 1 ) لم يذكر الوجه الثالث . وانظر : ما نقله البيهقي في « معرفة السنن والآثار » ، 8 / 261 - 262 . ( 2 ) انظر النص في الروضة للنووي ، 4 / 496 . ( 3 ) الرافعي : أبو القاسم ، إمام الدين عبد الكريم بن محمد ، صاحب شرح الوجيز . تفقه على والده ، وكان إماما في الفقه والتفسير والحديث والأصول ، توفي سنة 623 ه . ( طبقات الشافعية : 1 / 281 ) . ( 4 ) ابن الرفعة : أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري ، الملقب نجم الدين ، أبو العباس ، المعروف بابن رفعة . كان شافعي زمانه . قال الأسنوي عنه : ولا يعلم في الشافعية مطلقا بعد