ابن أبي شريف المقدسي

156

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

ظرف للجزم أي : يجزم العقل بذلك وقت إدراكه ( حسنه على وجه يستلزم تركه قبحا ؛ كشكر المنعم ، وهذا ) القول من المعتزلة ( بناء ) منهم ( على أن للفعل في نفسه حسنا وقبحا ذاتيين ) أي : يقتضيهما ذات الفعل كما ذهب إليه قدماؤهم ( أو ) أن للفعل حسنا وقبحا ثبتا له ( لصفة ) أي : لأجل صفة ( فيه ) حقيقية توجبهما له كما ذهب إليه الجبائية « 1 » . وقوله : ( قد يستقل ) صفة ثانية أي : حسنا وقبحا يوصفان بأنهما ذاتيان أو أنهما لصفة وبأنه قد يستقل ( بدركهما ) بسكون الراء ، أي : بإدراكهما ( العقل ، فيعلم ) أي : العقل ، والإسناد مجازي ، والمراد أن العاقل لإدراك عقله الحسن والقبح المذكورين يعلم ( حكم اللّه تعالى باعتبارهما فيه ) متعلق : « بحكم » ، والضمير للفعل ، أي : يعلم حكم اللّه تعالى الكائن في الفعل أي المتعلق به ( وقد لا ) يستقل العقل بإدراك الحسن والقبح في الفعل ( فلا يحكم ) فيه ( بشيء حتى يرد الشرع ) كاشفا عن ذلك الحسن والقبح ( كحسن صوم آخر يوم من رمضان وقبح صوم أول يوم من شوال ) إذ لا استقلال للعقل بإدراك شيء منهما . ( وقالت الأشاعرة قاطبة : ليس للفعل نفسه حسن ولا قبح ) ذاتيان ولا لصفة توجبهما ( وإنما حسنه ورود الشرع بإطلاقه ) أي : الإذن لنا فيه ( وقبحه وروده بحظره ) أي : بالمنع لنا منه ، ( وإذا ورد ) الشرع ( بذلك ) أي : بإطلاقه لنا أو بحظره ( فحسنّاه أو قبّحناه ) أي : حكمنا بأنه حسن أو قبيح ( بهذا المعنى ) وهو كونه مأذونا لنا فيه ومحرما علينا ( فحاله بعد ورود الشرع بالنسبة إلى الوصفين ) الحسن والقبح ( كحاله قبل وروده ) في أنه ليس حسنه وقبحه لذاته ولا لصفة توجبهما له ، ولولا ورود الشرع لم يعرفا . ( فلا يجب قبل البعثة شيء ) عند الأشاعرة ( لا إيمان ولا غيره ولا يحرم ) قبل البعثة ( كفر ) ( « 2 » ولا شيء من المحرمات « 3 » ) وإنما وجب الإيمان وسائر الواجبات وحرم الكفر وسائر المحرمات بالشرع . ( وقالت الحنفية قاطبة بثبوت الحسن والقبح للفعل على الوجه الذي قالته المعتزلة ) وهو أن العقل قد يستقل بإدراك الحسن والقبح الذاتيين أو لصفة فيدرك القبح المناسب لترتب حكم اللّه تعالى بالمنع من الفعل على وجه ينهض معه الإتيان به سببا للعقاب ، ويدرك الحسن المناسب لترتب حكمه تعالى فيه

--> ( 1 ) نسبة إلى أبي علي الجبائي وقد تقدمت ترجمته في ص 153 . ( 2 ) ليست في ( ط ) . ( 3 ) ليست في ( ط ) .