ابن أبي شريف المقدسي
149
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
كالمعتزلة ، أنعم عليه خالقه تعالى ( بما خوّله ؛ ) أي : أعطاه من قوى ظاهرة وباطنة وأمور يلتذّ بها . ( إلّا أنّ ) الشيخ أبا الحسن ( الأشعري ) ذهب إلى أن ما أوتيه الكافر في الدنيا من قوى وملاذ استدراج له ، فهي في الحقيقة نقمة عليه ( قال : ) « 1 » مبينا ما ذهب إليه ( « إذا كان ذلك ) الأمر الذي ناله في الدنيا ( قد حجبه عن اللّه تعالى فليس بنعمة ) بل هو نقمة ( قال اللّه تعالى : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( سورة المؤمنون : 55 ) ) فقوله : مِنْ مالٍ وَبَنِينَ بيان ل « ما » ، وقوله : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ خبر « أن » ، وقوله : بَلْ لا يَشْعُرُونَ انتقال إلى بيان أنهم كالبهائم لا شعور لهم ليتأملوا فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج لا مسارعة في الخير . وقد نصر المصنف مذهب القاضي فقال : ( لكن تكرر في القرآن حكاية قول الأنبياء للكفار ) الذين بعثوا إليهم ( فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ ( سورة الأعراف : 74 ) ) أي : نعمه ( فالحق أنها في أنفسها نعم ، وطغيانهم ) واقع ( باختيارهم ، ) فلا تخرج به عن كونها نعما في أنفسها ، ( وإن كانت ) تلك النعم ( سببا ) للتمادي على ما هم عليه ؛ لاعتقادهم إنّما هم عليه من الضلال مرضي لخالقهم وأنه لو لم يكن كذلك لما أنعم عليهم ( فلم تلجئهم ) تلك النعم إلى الكفر . واعلم أن الأشعري لا ينكر كونها تسمى نعما إنما يذهب إلى أن حكمة إيصالها إليهم استدراجهم لتكون الحجة عليهم أبلغ ، لا أن ينعموا بها في الدنيا ، كما قال تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ( سورة الأعراف : 182 ) . ( واختلف مشايخنا ) معشر الحنفية ( في أنه ) هل ( يستجاب للكافر دعوة ؟ ) ( فقيل : لا ) تستجاب له دعوة في أمر الآخرة ( ولا ) في ( أمر الدنيا ) وإن نالته فيها نعم ، ونفي الاستجابة منقول في « معالم التنزيل » عن ابن عباس من رواية الضحاك في تفسير قوله تعالى : وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ( سورة الرعد : 14 ) ، وبها استدل لهذا القول « 2 » ، وفي « شرح العقائد » : اختلف المشايخ في أنه هل يجوز أن يقال : يستجاب دعاء الكافر » فمنعه الجمهور « 3 » .
--> ( 1 ) انظر : مجرد مقالات الأشعري ، لابن فورك ، ص 34 . ( 2 ) انظر : معالم التنزيل للبغوي ، 3 / 12 . ( 3 ) شرح العقائد ، ص 200 .