ابن أبي شريف المقدسي
150
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
فجعل محل الخلاف جواز إطلاق اللفظ ، وما جرى عليه شيخنا المصنف من أن محل الاختلاف جواز وقوع الاستجابة أقرب ، وعليه جرى « الروياني » « 1 » من الشافعية في كتابه « بحر المذهب » حيث نقل الخلاف في المسألة « 2 » . ( فما ) أي : فعلى هذا القول وهو نفي استجابة دعائه ما ( قد يقع عند دعائه ) من الأمور التي يدعو بها ( كان منجزا في علم اللّه تعالى له ، غير معلق فيه ) أي : في علم اللّه تعالى ( بدعائه . ) ( وقيل : نعم ) يستجاب له ( في أمر الدنيا ) لا في أمر الآخرة ؛ لأن في قوله تعالى : إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ( سورة الأعراف : 15 ) بعد حكاية قول إبليس : رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( سورة ص : 79 ) إجابة لإبليس ، وإلى هذا ذهب أبو القاسم الحكيم « 3 » وأبو النصر الدّبّوسيّ « 4 » . ولما كان القول الأول من هذا الخلاف قد يوهم أن الكافر لا ينال الرحمة في الدنيا ، مع أن الرحمة تعم في الدنيا البرّ والفاجر والمؤمن والكافر نفى المصنف رحمه اللّه هذا الوهم بقوله : ( ومع هذا ) أي : ومع هذا الخلاف المشتمل على القول بنفي استجابته تعالى دعاء الكافر ( فرحمته ) تعالى ( سبقت غضبه ) كما نطق به الحديث الصحيح « 5 » ( حتى إن مظاهر الكرم والجود والرحمة من عباده أكثر ، ) من مظاهر الغضب ، و « المظاهر » جمع مظهر بالفتح ، وهو موضع الظهور ، أي : مواضع ظهور آثار الرحمة ومواضع ظهور آثار الغضب ، و « من » في قوله : « من عباده » بيانية متعلقة بقوله : « مظاهر » ( أرأيت ) أيها المتأمل ( أهل النار
--> ( 1 ) الروياني : قاضي القضاة ، عبد الواحد بن إسماعيل ، الملقب فخر الإسلام ، أخذ عن والده ، وتفقه على جده وعلى كثيرين ، وبرع في المذهب الشافعي . كان يقول : لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي ، توفي سنة 512 ه شهيدا على يد الباطنية . ( طبقات الشافعية ، 1 / 277 ) . ( 2 ) لم نعثر على المرجع على كثرة التقصي . ( 3 ) أبو القاسم الحكيم : إسحاق بن محمد ، المعروف بالحكيم السمرقندي ، أخذ عن الماتريدي الفقه والكلام ، ( الجواهر المضية ، 1 / 304 ) . ( 4 ) أبو النصر الدبوسي : هو أحمد بن محمد بن سعيد ، أبو نصر ، النسفي ، الدبوسي ، كان من الفقهاء على مذهب أبي حنيفة ، توفي سنة 374 ه . ( الجواهر المضية ، 2 / 269 ) . ( 5 ) كما في حديث أبي هريرة عنه مرفوعا : « لما قضى اللّه الخلق كتب كتابا ، فهو فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي » وفي رواية : « غلبت غضبي » . رواه البخاري في التوحيد / باب و ( يحذركم اللّه نفسه ) برقم : ( 6969 ) ، مسلم برقم : ( 2751 ) ، الترمذي برقم : ( 3537 ) .