ابن أبي شريف المقدسي
121
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
( فإذا أوجد العبد ذلك العزم ) المصمم ( خلق اللّه ) تعالى ( له الفعل ) عقبه ، ( فيكون منسوبا إليه تعالى من حيث هو حركة ) لأنه تعالى المنفرد بترتيب المسببات على أسبابها ، ( و ) يكون منسوبا ( إلى العبد من حيث هو زنى ونحوه ) من الأوصاف التي يكون بها الفعل معصية ، وعلى منوال ذلك في الطاعة كالصلاة ، تكون الأفعال التي حقيقتها منسوبة إلى اللّه تعالى من حيث هي حركات ، وإلى العبد من حيث إنها صلاة لأنها الصفة التي باعتبارها عزم العزم المصمم . واعلم أن حاصل كلام المصنف رحمه اللّه تعويل على مذهب القاضي الباقلاني ، وهو أن قدرة اللّه تعالى تتعلق بأصل الفعل ، وقدرة العبد تتعلق بوصفه من كونه طاعة أو معصية ، فمتعلق تأثير القدرتين مختلف ؛ كما في لطم اليتيم تأديبا وإيذاء ، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة اللّه تعالى وتأثيره ، وكونه طاعة على الأول ومعصية على الثاني بقدرة العبد وتأثيره ، لتعلق ذلك بعزمه المصمم ؛ أعني قصده الذي لا تردد معه « 1 » . غير أن المصنف أوضح القول فيه ، ولعله إنما لم يعز ما ذكره إلى القاضي لأن من توجيهه ما لم يقع مصرحا به في كلامه وإن كان منطبقا عليه ، ( وإنما يخلق اللّه سبحانه هذه ) الأمور ( في القلب ) يعني الميل والداعية والاختيار ( ليظهر من المكلف ما سبق علمه تعالى بظهوره منه من مخالفة ) للأمر الإلهي ( أو طاعة ) له ، ( وليس للعلم خاصية التأثير ليكون ) المكلف ( مجبورا ) على ما سبق العلم بظهوره منه ( لما ) أي : الدليل ( عساه يتضح من بعد ) . وقد أوضحه في آخر الأصل الثالث الذي يلي هذا الأصل . وقوله : ( ولا خلق ) بلفظ المصدر عطف لجملة منفية على جملة منفية ، وهي قوله : « وليس للعلم » أي : وليس خلق ( هذه الأشياء ) أي : الميل والداعية والاختيار للمكلف ( يوجب اضطراره إلى الفعل ؛ لأنه ) تعالى ( أقدره فيما يختاره ويميل إليه عن داعية ) تدعوه إليه ( على العزم على فعله وتركه ) ولا اضطرار مع الإقدار على العزم على كل من الفعل والترك ، ولما كان الإقدار على العزم على فعل مع خلق الميل إليه والداعية له ظاهرا ، بخلاف الإقدار على العزم على ترك ما خلق الميل إليه والداعية له بيّنه بقوله : ( إذ من المستمر ) أي : من الأمر المعروف الذي لا يتخلف ( ترك الإنسان لما يحبه ويختاره ، وفعل شيء وهو يكرهه لخوف ) من سطوة
--> ( 1 ) قارن بما في التمهيد ، ص 286 - 293 .