ابن أبي شريف المقدسي
122
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
جبار ( أو حياء ) ممن يجلّه ويؤثر امتثال أمره ونهيه ( فعن ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوقة للّه تعالى صح تكليفه ) أي : نشأ عن ثبوت ذلك العزم صحة تعلق التكليف بالعبد ، ( و ) عنه أيضا صح ( ثوابه ) أي : أن يثاب بالطاعة ( وعقابه ) أي : أن يعاقب بالمعصية ( وذمه ) بفعل ما لا ينبغي شرعا ( ومدحه ) بفعل ما هو حسن شرعا ( وانتفى بطلان التكليف ، و ) انتفى ( الجبر المحض « 1 » ، وكفى في التخصيص ) أي : تخصيص تلك العمومات السابق بعضها ( لتصحيح التكليف ) أي : كفى لأجل تصحيح التكليف ( هذا الأمر الواحد ) الذي جعل متعلقا لتأثير قدرة العبد ، ( وأعني ) بهذا الأمر الواحد ( العزم المصمم ) على الفعل ( وما سواه ) أي : ما سوى العزم المصمم ( مما لا يحصى من الأفعال الجزئية والتروك كلها مخلوقة للّه تعالى ، متأثرة عن قدرته ابتداء بلا واسطة القدرة الحادثة ) المخلوقة ( المتأثرة عن قدرته تعالى ، واللّه سبحانه أعلم ) . ( ومع ذلك ) أي : ومع ما ذكرناه من أن العزم المصمم موجود بالقدرة الحادثة ( فقلما يكون حسن هذا العزم بلا توفيق من اللّه تعالى ، بل لا يقع ) هذا العزم الموصوف بالحسن ( إلا بتوفيق منه تعالى تفضلا ) لا وجوبا ، ( فإن الشيطان مع الشهوة الغالبة وهوى النفس ) ثلاثتها ( موانع ) من العزم المذكور ، ( تشبه القواسر ) أي : تشبه الأمور الحاملة على ترك العزم قهرا ( لقوة استيلائها ) على الإنسان ، ( فلا يغلب ) بحيث يصمم العزم على خلاف ما تدعو إليه ( إلا بمعونة التوفيق ) من اللّه سبحانه للعبد . ( وليس لأحد على اللّه تعالى أن يوفقه ) لأنه لا يجب على اللّه شيء كما سيأتي بيانه في الأصل الرابع ، ( بل ) العبد ( إذا أعلمه ) اللّه تعالى ( طريقي الخير والشر وخلق المكنة ) من كل منهما ( له فقد أعذر إليه ) أي : أزاح عذره منهيا إزاحة العذر إليه ، ف « أعذر » مضمن معنى « أنهى » . ( وعدم التوفيق وهو الخذلان ، وهو ) أي : الخذلان ( أن يدعه مع نفسه لا ينصره ولا يعينه عليها ) . وقوله : ( لا يسلبه ) هو خبر المبتدأ الذي هو « عدم التوفيق »
--> ( 1 ) الجبر المحض بدل « الجبر » فقط ؛ تأكيد لنفي الجبر ، وإلا فإن الجبر والجبر المحض لهما نفس الدلالة على المستوى الكلامي في مجال التكليف ، كون تعريف الجبر : انعدام القدرة على مباشرة التكليف ، والتحرك بدون اختيار ، كما عبر المجبرة : « كالريشة المعلقة في الهواء » ولكن ينبغي ملاحظة أن البعض يمكن أن يميز بين العبارتين ؛ لاتهامه الأشاعرة بالجبر دون الجبر المحض ، فرأوا أن القائل بالكسب مآل قوله إلى الجبر لا محالة وإن لم يظهر ذلك مباشرة .