ابن أبي شريف المقدسي
120
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
بإيجاده ( « 1 » في خبره تعالى « 2 » ) ، والعبد لا يستقل بإيجاد شيء ؛ بل العزم الذي قلنا إنه محل قدرته يتوقف وجوده على خلق الاختيار للعبد والتمكين من ذلك العزم كما سيأتي ، فلا استقلال للعبد بشيء ، فلا خلف في خبر اللّه تعالى . وقوله : ( فلنفي ) علة سابقة على ما هي علة له ، وهو الوجوب في قوله : « وجب » أي : لأجل نفي ( الجبر المحض وتصحيح التكليف وجب التخصيص ) أي : وجب بالدليل العقلي تخصيص عموم الكل الذي اقتضى السمع نسبته إليه تعالى بالإيجاد ، ( وهو ) أي : ما ذكر من نفي الجبر وتصحيح التكليف ، أي : الحكم بصحته المتوقف ذلك على النفي المذكور ( لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم بالإيجاد ) أي : على أن ينسب إليهم أنهم موجدون لجميع أفعالهم ( بل يكفي لنفيه ) أي : الجبر ، نسبه الفعل الواحد - وهو العزم الآتي ذكره - إليهم . وتقرير ذلك : ( أن يقال : جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات ) إنما يوجد بخلق اللّه تعالى ، ( وكذا التروك التي هي أفعال النفس ) لأن المراد من الترك كف النفس عن الفعل ، وذلك الكف فعل للنفس ، إذ لا تكليف إلا بفعل كما تقرر في محله ، والمقصود هنا أن جميع ما يتوقف عليه التروك ( من الميل ) إلى الشيء الذي تكف عنه النفس ، ( و ) من ( الداعية ) التي تدعو إليه ، ( و ) من ( الاختيار ) له إنما يوجد الجميع ( بخلق اللّه تعالى ) ، وجهة توقف التروك على ذلك ظاهرة ، إذ لا يتحقق كف النفس إلا عما مالت إليه ودعت له وتعلق به الاختيار ، والحاصل أن جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح وأفعال النفوس ( لا تأثير لقدرة العبد فيه ، وإنما محل قدرته ) أي : العبد هو ( عزمه عقيب خلق اللّه تعالى هذه الأمور في باطنه عزما مصمما بلا تردد ، وتوجهه توجها صادقا للفعل ) أي : توجهه للفعل ( طالبا إياه ) توجها لا يلابسه شوب توقف . وما بعد قوله : « عزما مصمّما » كالتفسير الموضح له ، وهذا العزم المصمم هو محل تأثير قدرة العبد ، وهو مسمى الكسب عند الحنفية « 3 » .
--> ( 1 ) سقط من ( م ) . ( 2 ) سقط من ( م ) . ( 3 ) رأى بعض العلماء أن الماتريدية التزموا بأعدل المسالك في مسألة خلق أفعال العباد بين الجبر والاختيار . انظر : موقف البشر تحت سلطان القدر ، لمصطفى صبري ، ص 161 .