ابن أبي شريف المقدسي

118

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

اختياره ، من غير تأثير لقدرته المقارنة له « 1 » . ( واعلم أنّا لما ذكرنا ) آنفا ( أن ما أورده من ) متمسكاتهم ( العقليات التي ظنوا إحالتها استناد شيء ) أي : ظنوا أنها تدل على استحالة استناد شيء ( من الأفعال الاختيارية إلى العباد لم تسلم ) هذا خبر « أن » ، أي : لما ذكرنا أن ما أورده من العقليات لم تسلم من القدح ونبهنا على بطلانه بالاستلزام الذي ذكرناه ( لم يبق عندنا في حكم العقل مانع عقلي من ذلك ) أي : من تأثير قدرة العبد في الفعل ؛ لأنا لم نجد ما يمنع من ذلك عقلا ؛ بل قد وجدنا ما يدل على انتفاء المانع من ذلك ، ( فإنه لو عرّف اللّه تعالى ) العبد ( العاقل ) أي : أعلمه ( أفعال الخير والشر ، ثم خلق له قدرة أمكنه بها من الفعل ) لما أمر به من الخير ، ( والترك ) لما نهى عنه من الشر ، ( ثم كلّفه بإتيان الخير ) أي : بأن يأتي به ( ووعده عليه ) أي : على الإتيان به الثواب ، وترك الشر ) أي : وكلفه بترك الشر ( وأوعده عليه ) أي : على الشر إذا أتى به بالعقاب ، وقوله : ( بناء ) متعلق بقوله : « كلفه » أي : كلفه بذلك بناء ( على ذلك الإقدار ) أي : خلق القدرة المذكورة ( لم يوجب ذلك ) هذا جواب « لو » أي : لو وقع ما ذكر من تعريف الأمرين وخلق القدرة والتكليف بما ذكر لم يوجب وقوع هذه الأمور ( نقصا في الألوهية ) ليكون مانعا من القول بتأثير قدرة العبد ( إذ غاية ما فيه ) أي : ما في وقوع الأمور المذكورة ( أنه ) تعالى ( أقدره ) أي : أقدر العبد العاقل ( على بعض مقدوراته تعالى ، كما أنه أعلمنا ) معشر العباد العقلاء ( بعض معلوماته سبحانه تفضلا ) منه تعالى ، ولم يوجب ذلك نقصا في الألوهية وفاقا منا ومنكم « 2 » . وقوله : ( وإن كان قد يرى ) أي : يظن ( فرق بين العلم والخلق ؛ ) إشارة إلى سؤال بإيراد جوابه . أما السؤال فهو أن يقال : جعلكم الخلق كالعلم فيما ذكرتم قياس مع وجود

--> ( 1 ) منشأ هذا القول ؛ أن الأشاعرة نظروا إلى صور تسلسل الفعل ، والمحددة بخمسة : 1 - مرحلة تصور الفعل ، 2 - مرحلة تصور دواعيه ، 3 - مرحلة التردد لموازنة الأسباب والدواعي ، 4 - مرحلة الحكم والترجيح المتضمن للفعل ، 5 - مرحلة تحقق الفعل . فالاختيار في المراحل الثلاث معدوم ، وكذا في المرحلة الخامسة ، بينما يوجد الاختيار في المرحلة الرابعة . ( 2 ) يناقش الماتريدية الأشاعرة في نظرية الكسب ، بإبراز اختلاف خالقية الإنسان عن خالقية اللّه الذي يخلق من العدم ، وإثبات حرية الإنسان من استحقاقه الثواب والعقاب لاستعماله قدرته وتوجيهها إلى فعل من الأفعال ، ولقد تكلمنا عن نظرية الكسب عندهم ، فراجعه في ص 83 .