ابن أبي شريف المقدسي

110

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

إذ المعتزلي يقول : جاز أن يكون خصوصية بعض المعدومات الثابتة المتميّزة مانعة من تعلق القدرة . والحكيم يقول : جاز أن تستعد المادة لحدوث ممكن دون آخر . وعلى هذين التقديرين لا يكون نسبة الذات إلى جميع الممكنات على السواء . ولما كان هذا الاستدلال لا يخلو عن ضعف لابتناء دليله على أمر مختلف فيه يمنعه الخصم أشار المصنف إلى ذلك بقوله : ( ويؤنسه ) أي : يؤنس هذا الدليل العقليّ ( في أفعال غير العقلاء ) أي : يقويه ويقربه بالنسبة إليها ( استبعاد استقلال العنكبوت والنحل بما يصدر عنها ؛ من غريب الشكل ولطيف الصناعة ممّا قد يعجز عنه بعض العقلاء ) من نسج العنكبوت الذي يصل في الصفاقة إلى أن لا يتبين شيء من الخيوط الواهية التي تركب منها ، وبناء النحل الشمع على الشكل المسدس الذي لا خلاء بين أضلاع بيوته ولا خلل فيها ، ثم إلقاء العسل به أوّلا فأوّلا إلى أن تمتلئ البيوت ثم يختم بالشمع على وجه يعمها في غاية من اللطف ، ( فكان ذلك ) الصنع الغريب والفعل الواقع على غاية من الإتقان وحسن الترتيب واقعا ( منه سبحانه وصادرا عنه ) دون تلك الحيوانات التي لا عقول لها ولا علم بتفاصيل ما يصدر عنها . [ الأصل الثاني ] ولما قرّر أن أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى ، وكان مذهب أهل الحق أنها مع ذلك مكسوبة للعبد خلافا للمعتزلة والفلاسفة في زعمهم أنها مخلوقة للعبد ، بمعنى أنه المستقل بإيجادها أورد متمسّكهم سؤالا . وجعل الأصل الثاني في كلام حجة الاسلام جوابا عنه فقال : ( فإن قيل : لا شك أنه تعالى خلق للعبد قدرة على الأفعال ولذا ) أي : ولكون القدرة مخلوقة للعبد قائمة به ( ندرك ) نحن معشر العباد العقلاء ( تفرقة ضرورية ) بطريق الوجدان ( بين الحركة المقدورة ) لنا وهي الاختيارية ( و ) بين ( الرعدة الضرورية ) أي : التي تصدر دون اختيار منا . وهذا من باب الاستدلال بالسبب على المسبب ، ولو قيل بأن إدراكنا التفرقة المذكورة بطريق الوجدان يدل على قيام قدرة بالعبد مخلوقة للّه تعالى لكان استدلالا بالمسبب على السبب ، وهو هنا أقعد ؛ لأن المقام مقام إثبات قدرة للعبد بدليلها ، وهو إدراكنا التفرقة المذكورة بالوجدان ( والقدرة ليس خاصيتها ) من بين الصفات ( إلا التأثير ) أي : إيجاد