ابن أبي شريف المقدسي
111
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
المقدور ؛ لأن القدرة صفة تؤثر على وفق الإرادة ، ويستحيل اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد ، ( فوجب تخصيص ) عمومات ( النصوص ) السابق بعضها ( بما سوى أفعال العباد الاختياريّة ، فيكونون ) أي : العباد ( مستقلّين بإيجاد أفعالهم ) الاختيارية ( بقدرهم الحادثة ) التي تحدث ( بخلق اللّه تعالى ) إياها لهم ( كما هو ) أي : ذلك الاستقلال بالإيجاد ( رأي المعتزلة والفلاسفة بلا فرق ) بين الفريقين ( غير ) الفرق في كيفية حدوث القدرة وهو : ( أن قدرة العبد حادثة بإيجاد اللّه تعالى باختياره ) تعالى ( عند المعتزلة ) لاعتقادهم كأهل الحق أنه تعالى فاعل بالاختيار لا موجب بالذّات « 1 » ، ( وبطريق الإيجاب ) بالذات ( عند تمام الاستعداد ) من المحل القابل « 2 » ( عند الفلاسفة ) لاعتقادهم أنه - تعالى عما يقولون - موجب بالذات لا فاعل بالاختيار ، ( وإلا ) أي : وإن لا يكن العباد مستقلين بإيجاد أفعالهم الاختيارية لعدم تخصيص النصوص ( كان ) إيجادها بخلق الباري تعالى ( جبرا محضا ) ، إذ الفرض أنه لا تأثير لقدرة العبد أصلا في إيجادها ، وإذا كان كذلك ( فيبطل الأمر والنهي ) إذ لا معنى للأمر بما لا يكون فعلا للمأمور ولا يدخل تحت قدرته ، كأن يطلب من إنسان خلق الحيوان أو الطيران إلى السماء ، أو يطلب من الجماد المشي على الأرض . ( فالجواب ) من طرف أهل السنة ( وهو حاصل الأصل الثاني ) في كلام حجة الاسلام ( أن الحركة مثلا كما أنّها وصف للعبد ومخلوقة للرب ) سبحانه ، ( لها ) أيضا ( نسبة إلى قدرة العبد فسمّيت ) أي : الحركة ( باعتبار تلك النسبة ) أي : نسبتها إلى قدرة العبد ( كسبا ) بمعنى أنها مكسوبة للعبد ( وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن يكون بالاختراع ) الذي هو خاصيتها أي : التأثير ( فقط ، إذ قدرة اللّه تعالى متعلّقة في الأزل بالعالم ولم يحصل الاختراع بها إذ ذاك ، و ) هي ( عند الاختراع تتعلق به نوعا آخر من التعلّق ، فبطل أن القدرة ) من حيث تعلقها ( تختص « 3 » بإيجاد المقدور ) بها ، ( ولم يلزم الجبر المحض ) كما زعم الخصم ، ( إذ كانت ) الحركة المذكورة ( متعلّق قدرة العبد داخلة في اختياره ) وهذا التعلق هو
--> ( 1 ) الموجب بالذات : اعتقاد من اعتقادات الفلاسفة الباطلة ؛ وفحوى اعتقادهم سيأتي شرحه تفصيلا في أواخر هذا الكتاب . ( 2 ) يقصدون بالمحل القابل : المحل عند الفلاسفة منحصر في الهيولي والموضوع ، ويسمى المادة ، تفيض هذه المادة من الفاعل بالاختيار ، وتتحول إلى أعيان ثابتة في الوجود . ( 3 ) في ( م ) : مختصة .