ابن أبي شريف المقدسي

109

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

واحد ؛ لأن التقدير في الموصولة : وخلق العمل الذي تعملونه ، أو الشيء الذي تعملونه . ودعوى عموم الآية للأعيان ممنوعة ؛ لأن الأعيان ليست معمولة للعباد ، بمعنى إيجادهم ذواتها ، وإنما هي معمول فيها النحت والتصوير وغيرهما من الأعمال ، وإطلاق قول القائل : عملت الحجر صنما مجاز ، والمعنى الحقيقي هو أنه حوّله بالنحت والتصوير إلى صورة الصنم ، فلا يتأتى شمول « ما » للأعيان بناء على أنها موصول اسمي ، إلا على القول باستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه . ( و ) الدليل ( من العقل ) على أنه سبحانه الخالق لكل حادث ( أنّ قدرته تعالى صالحة للكلّ ) أي : لخلق كل حادث ( لا قصور لها عن شيء منه ) لأن المقتضى للقادرية هو الذات ، لوجوب استناد صفاته تعالى إلى ذاته ، والمصحّح للمقدورية هو الإمكان ؛ لأن الوجوب والامتناع الذاتيين يحيلان المقدورية ، ونسبة الذات إلى جميع الممكنات في اقتضاء القادرية على السواء ، فإذا ثبت قدرته على بعضها ثبت قدرته على كلها ، وإلا لزم التحكّم « 1 » ( فوجب إضافتها ) أي : إضافة الحوادث كلها ( إليه ) سبحانه ( بالخلق ) أي : إضافة خلقها إليه لما مر أنه لا خالق سواه . وهذا الاستدلال مبني على ما ذهب إليه أهل الحق من أن المعدوم ليس بشيء « 2 » ، وإنما هو نفي محض ، لا امتياز فيه أصلا ، ولا تخصيص قطعا ، فلا يتصوّر اختلاف في نسبة الذات إلى المعدومات بوجه من الوجوه ، خلافا للمعتزلة ، ومن أن المعدوم لا مادة له ولا صورة خلافا للحكماء « 3 » ، وإلا لم يمتنع اختصاص بعض الممكنات دون بعض بمقدوريته تعالى كما يقوله الخصم :

--> ( 1 ) التحكم دون دليل ، وهو المصادرة وتعرف بأنها جعل نتيجة الدليل نفس مقدمة من مقدمتيه مع تغيير في اللفظ ، يوهم فيه المستدل التغاير بينهما في المعنى ، انظر : ضوابط المعرفة ، لحبنكة ، ص 451 . ( 2 ) قال الجويني : ما صار إليه أهل الحق أن حقيقة الشيء : الموجود . كل شيء موجود ، وكل موجود شيء ، وما لا يوصف بالوجود لا يوصف بكونه شيئا . . . والمعدوم منتف من كل الوجوه . ( الشامل في أصول الدين ، للجويني ص 124 ) . ( 3 ) المعدوم لا مادة له ولا صورة ، وهو معنى قول الجويني منتف من كل الوجوه ، سواء الجوهرية أو العرضية ، فلا شكل له بناء على أنه ليس بشيء وغير موجود .