ابن أبي شريف المقدسي
108
المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة
تنافي هذا الإنكار ، إذ لا طباق بين إنكار عبادة ما ينحتون وبين خلق عملهم . وحاصل الجواب : المعارضة ببيان حصول الطباق « 1 » مع المصدرية ، إذ المعنى عليها : أتعبدون منحوتا تصيّرونه بعملكم صنما ، والحال أن اللّه تعالى خلقكم وخلق عملكم الذي به يصير المنحوت صنما ، فقد ظهر الطباق . ( وحينئذ ) أي : حين إذ جعلت مصدرية ( الاستدلال بها ) أي : الآية ( ظاهر ) للتصريح بأن العمل هو الفعل مخلوق . ( أو هو ) أي : لفظ « ما » ( موصول اسميّ ) يحتاج إلى عائد ، ويكون التقدير : وخلق الذي تعملونه ، فحذف العائد المنصوب بالفعل ، والموصول الاسمي من أدوات العموم ( فيشمل ) في الآية ( نفس الأحجار ) المنحوتة ، ( والأفعال ) طاعات كانت أو معاصي ، ( وأعني ) بالفعل هنا ( الحاصل بالمصدر ) لأنّا إذا قلنا : أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى لم نرد بالفعل المعنى المصدري الذي هو الإيجاد والإيقاع ، لما سيأتي من أنه أمر اعتباري لا وجود له في الخارج ، فلا يتعلق به الخلق ، بل نريد الحاصل بالمصدر ، وهو متعلق الإيجاد والإيقاع ، أي : ما نشاهد من الحركات والسكنات مثلا ، والفعل بهذا المعنى هو متعلّق التكليف « 2 » ؛ كالصوم والأكل والشرب والصلاة ، إذ هي عبارة عن قيام وقعود وركوع وسجود وتلاوة وذكر ، ( وأهل العربية يقولون للمصدر المفعول المطلق ؛ لأنه هو المفعول بالحقيقة ؛ لأنه الذي يوجده الفاعل ويفعله ، وهو بناء على إرادة الحاصل بالمصدر ؛ لأن الأمر الاعتباريّ ) وهو الفعل بمعنى الإيجاد والإيقاع ( لا وجود له ، فلا يتعلق به الخلق ، فوجب إجراؤها ) أي : الآية ( على عمومها ) للأحجار المنحوتة والأفعال ، واللّه ولي التوفيق . هذا تقرير كلام المصنف ، والتحقيق : أن عملهم بمعنى الأثر الحاصل بالمصدر هو معمولهم ، ومعنى الموصولة وصلتها كذلك ، فمآل المعنى فيهما
--> ( 1 ) الطباق : هو الجمع بين الشيء وضده في الكلام ، وهو نوعان : 1 - طباق الإيجاب : وهو ما لم يختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا . 2 - طباق السلب : وهو ما اختلف فيه الضدان إيجابا وسلبا . ( 2 ) متعلق التكليف هو المسمّى وليس الاسم على رغم الخلاف المعروف في علم الكلام : هل الاسم هو المسمى أو صفة توجد به أو قول غير المسمى ؛ والمذهب الراجح أن الاسم هو صفة متعلقة به وأنه غير التسمية ؛ كما أشار إلى ذلك الباقلاني في كتابه تمهيد الأوائل ، ص 258 . فعلى هذا : الأفعال التكليفية هي مسمياتها الحاصلة بالمصدر ؛ أي : متعلّقاتها .