ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
83
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
قد تطابقت نصوص الكتاب والسنة والآثار على إثبات الصفات للّه ، وتنوعت دلالتها أنواعا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاده ما دلت عليه . والقرآن مملوء من ذكر الصفات ، والسنة ناطقة بما نطق به القرآن ، مقررة له ، مصدقة له ، مشتملة على زيادة في الإثبات ، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع البصير العليم القدير العزيز الحكيم ، وتارة يذكر المصدر وهو الوصف الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ( النساء : 166 ) وقوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( الذاريات ) وقوله : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي وقوله : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( الأعراف : 144 ) وقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح « حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » « 1 » ، وقوله في دعاء الاستخارة « اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك » « 2 » ، وقوله : « أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق » « 3 » وقول عائشة رضي اللّه عنها : « سبحان الذي وسع سمعه الأصوات » « 4 » ونحوه . وتارة يذكر تلك الصفة كقوله : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ( المجادلة : 1 ) إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( طه : 46 ) وقوله : فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ( المرسلات : 23 ) وقوله : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ( البقرة : 187 ) ونظائر ذلك كثيرة .
--> ( 1 ) رواه مسلم في ( الإيمان / 179 ) ، وابن ماجة ( 195 - 196 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1162 ) . ( 3 ) ( صحيح ) رواه الإمام أحمد ( 4 / 264 ) ، والنسائي ( 3 / 54 - 55 ) ، والحاكم ( 1 / 524 ) بإسناد صحيح . ( 4 ) رواه البخاري تعليقا في « كتاب التوحيد » باب وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً بلفظ : « الحمد للّه الذي وسع سمعه الأصوات » ، فأنزل اللّه على النبي صلى اللّه عليه وسلم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وأخرجه ابن ماجة موصولا ( 188 ) بلفظ : « تبارك » وسياقه أتم ، والإمام أحمد ( 6 / 46 ) . قال ابن بطال : معنى قولها « وسع » : أدرك ، لأن الذي وصف بالاتساع يصح وصفه بالضيق وذلك من صفات الأجسام فيجب صرف قولها عن ظاهره ، والحديث ما يقتضي