ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
69
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من
--> تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية ، وما دام أنه حكم عليه منذ القدم وقبل أن يخلق بالجنة أو بالنار ، وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ ، فمن وقع في القبضة اليمنى كان من أهل السعادة ، ومن كان من القبضة الأخرى كان من أهل الشقاوة . فيجب أن يعلم هؤلاء جميعا أن اللّه ( ليس كمثله شيء ) لا في ذاته ولا في صفاته ، فإذا قبض قبضة فهي بعلمه وعدله وحكمته ، فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته ، وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعته ، ويستحيل على عدل اللّه تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى ، والعكس بالعكس كيف واللّه عز وجل يقول : أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ . ثم إن كلا من القبضتين ليس فيها إجبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار ، بل هو حكم من اللّه تبارك وتعالى عليهم بما سيصدر منهم من إيمان يستلزم الجنة أو كفر يقتضي النار والعياذ باللّه تعالى منها ، وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان ، لا يكره اللّه تبارك وتعالى أحدا من خلقه على واحد منهما فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ وهذا مشاهد معلوم بالضرورة ولولا ذلك لكان الثواب والعقاب عبثا واللّه منزه عن ذلك . ومن المؤسف حقا أن نسمع من كثير من الناس حتى من بعض المشايخ التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له ، وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن اللّه يجوز له أن يظلم الناس ، مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة ، وإعلامه بأنه قادر على الظلم ولكنه نزه نفسه عنه كما في الحديث القدسي المشهور : « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي . . . » الحديث ، وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ مصرين بذلك على أن اللّه تعالى قد يظلم ولكنه لا يسأل عن ذلك ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وفاته أن الآية حجة عليهم لأن المراد بها - كما حققه العلامة ابن القيم وغيره - أن اللّه تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل ، لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح فلا داعى للسؤال ، وللشيخ يوسف الدجوى رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية لعله أخذ مادتها من ابن القيم فلتراجع . ا ه . « الصحيحة » ( 1 / 70 - 71 ) .