ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
51
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
فإن قلت : إن إثبات الإرادة والمشيئة لا يستلزم تشبيها وتجسيما ، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم الشبيه والتجسيم ، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام ، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان ، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها ، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه . قيل لك : وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب له ينفعها ودفع ما يضرها ، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد . فإن العلم انطباع صورة المعلوم في نفس العالم ، أو صفة عرضية قائمة به . وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف . فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه ؟ فإن قلت : أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفاتنا ولا يشبهها . قيل لك : فهلا أثبت الجميع على وجه لا يماثل صفات المخلوقين ؟ فإن قلت : هذا لا يعقل . قيل لك فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ومشيئة ليست من جنس صفات المخلوقين ؟ فإن قلت : أنا أفرق بين ما يتأول وما لا يتأول بأن ما دل العقل على ثبوته يمتنع تأويله كالعلم والحياة والقدرة والسمع والبصر ، وما لا يدل عليه العقل يجب أو يسوغ تأويله كاليد والوجه والضحك والفرح والغضب والرضى ، فإن الفعل المحكم دل على الإرادة فيمتنع مخالفة ما دل عليه صريح العقل . قيل لك : وكذلك الإنعام والإحسان وكشف الضر وتفريج الكربات دل على الرحمة كدلالة التخصيص على الإرادة سواء . والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار دل على المحبة كدلالة ما ذكرت على الإرادة ، والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضى والحب . والعقوبة والبطش والانتقام دال على الغضب كدلالة ضده على الرضى . ( ونقول ثانيا ) هب أن العقل لا يدل على إثبات هذه الصفات التي نفيتها فإنه