ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
52
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
لا ينفيها ، والسمع دليل مستقل بنفسه ، بل الطمأنينة إليه في هذا الباب أعظم من الطمأنينة إلى مجرد العقل ، فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله ؟ ( ويقال ثالثا ) إن كان ظاهر النصوص يقتضي تشبيها وتجسيما فهو يقتضيه في الجميع ، فأول الجميع ، وإن كان لا يقتضي ذلك لم يجز تأويل شيء منه ، وإن زعمت أن بعضها يقتضيه وبعضها لا يقتضيه طولبت بالفرق بين الأمرين . ولما تفطن بعضهم لتعذر الفرق قال : ما دل عليه الإجماع كصفات السمع لا يتأول وما لم يدل عليه الإجماع فإنه يتأول . وهذا كما تراه من أفسد الفروق ، فإن مضمونه أن الإجماع أثبت ما يدل عليه رأي التجسيم والتشبيه ، وهذا قدح في الإجماع ، فإنه لا ينعقد على باطل . ( ثم يقال ) إن كان الإجماع دل على هذه الصفات وظاهرها يقتضي التشبيه والتجسيم بطل نفيكم لذلك ، وإن لم ينعقد عليه بطل التفريق به . ( ثم يقال ) خصومكم من المعتزلة لم تجمع على ثبوت هذه الصفات ، فإن قلتم : انعقد الإجماع قبلهم قيل : صدقتم واللّه ، والذين أجمعوا قبلهم على إثبات هذه الصفات أجمعوا على إثبات سائر الصفات ولم يخصوها بسبع ، بل تخصيصها بالسبع خلاف قول السلف ، وقول الجهمية والمعتزلة . فالناس كانوا طائفتين : سلفية وجهمية « 1 » ، فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين قولين فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا .
--> ( 1 ) الجهمية : هم ، أتباع جهم بن صفوان الّذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال ، وأنكر الاستطاعات كلها ، وزعم أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان ، وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة باللّه فقط ، وأن الكفر هو الجهل به فقط ، وقال : لا فعل ولا عمل لأحد غير اللّه تعالى وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز . . . إلى آخر ضلالاته في مسألة الجبر وإنكار الصفات . . . إلخ . وثبت عن أبي حنيفة أنه قال : بالغ جهم في نفى التشبيه حتى قال إن اللّه ليس بشيء . أفاده الحافظ في « الفتح » وقال : وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة ، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات ، حتى قالوا إن القرآن ليس كلام اللّه وأنه مخلوق . ا ه ( الفتح : 13 / 357 ) . وأخرج ابن خزيمة في « التوحيد » ، ومن طريقه البيهقي في « الأسماء والصفات »