ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
46
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
التي لا تحصل إلا مع حضور ما يتنعم به لا مع التنغيص بانتظاره ، ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤيا وإن كان النظر بمعنى الانتظار في قوله تعالى : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ( الحديد : 13 ) وقوله فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( النمل : 35 ) . ومثل هذا قول الجهمي الملبس : إذا قال لك المشبه : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( طه : 5 ) فقل له : العرش له عدة معان والاستواء له خمسة معان فأي ذلك المراد ؟ فإن المشبه يتحير ولا يدري ما يقول : فيقال لهذا الجاهل : ويلك ما ذنب الموحد الذي سميته أنت وأصحابك مشبها ؟ وقد قال لك نفس ما قال اللّه تعالى . فو اللّه لو كان كما تزعم لكان أولى اللّه ورسوله منك لأنه لم يتعد النص . ( وأما قولك ) العرش له سبعة معان ونحوها ، والاستواء له خمسة معان ، فتلبيس منك على الجهال وكذب ظاهر ، فإنه ليس لعرش الرحمن الّذي استوى عليه إلا معنى واحد ؛ وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معان فاللام للعهد ، وقد صار بها العرش معينا وهو عرش الرب تعالى الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل ؛ وأقرت به الأمم إلا من نابذ الرسل . وقولك الاستواء له عدة معان تلبيس آخر منك ، فإن الاستواء المعدّى بأداة « على » ليس له إلا معنى واحد . وأما الاستواء المطلق فله عدة معان فإن العرب تقول : استوى كذا : انتهى وكمل ، ومنه قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى ( القصص : 14 ) وتقول : استوى إلى كذا ، إذا ساواه ؛ نحو قولهم : استوى الماء والخشبة ، واستوى الليل والنهار . وتقول : استوى إلى كذا إذا قصد إليه علوا وارتفاعا نحو استوى إلى السطح والجبل ؛ واستوى على كذا أي ارتفع عليه وعلا عليه . ولا تعرف العرب غير هذا . فالاستواء في هذا التركيب نص لا يحتمل غير معناه كما هو نص في قوله تعالى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى لا يحتمل غير معناه ، ونص في قولهم استوى الليل والنهار في معناه ولا يحتمل غيره .