ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

47

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

( السادس ) اللفظ الذي اطرد استعماله في معنى هو ظاهر فيه ولم يعهد استعماله في المعنى المؤول أو عهد استعماله فيه نادرا ، فحمله على خلاف المعهود من استعماله باطل ، فإنه يكون تلبيسا يناقض البيان والهداية ، بل إذا أرادوا استعمال مثل هذا في غير معناه المعهود حفوا به من القرائن ما يبين للسامع مرادهم به لئلا يسبق فهمه إلى معناه المألوف . ومن تأمل كمال هذه اللغة وحكمة واضعها تبين له صحه ذلك . ( السابع ) كل تأويل يعود على أصل النص بالإبطال فهو باطل كتأويل قوله صلى اللّه عليه وسلم « أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل » « 1 » فيحمله على الأمة ؛ فإن هذا التأويل مع شدة مخالفته لظاهر النص يرجع على أصل النص بالإبطال وهو قوله : « فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها » ومهر الأمة إنما هو للسيد ، فقالوا : نحمله على المكاتبة ، وهذا يرجع على النص بالإبطال من وجه آخر ، فإنه أتى فيه ب « أي » الشرطية التي هي من أدوات العموم ، وأتى بالنكرة في سياق الشرط وهي تقتضى العموم ؛ وعلق بطلان النكاح بالوصف المناسب له المقتضى لوجود الحكم بوجوده ؛ وهو إنكاحها نفسها فرتبه على العلة المقتضية للبطلان وهو افتئاتها على وليها . وأكد الحكم بالبطلان مرة بعد مرة ؛ ثلاث مرات ؛ فحمله على صورة لا تقع في العالم إلا نادرا يرجع إلى مقصود النص بالإبطال ؛ وأنت إن تأملت عامة تأويلات الجهمية رأيتها من هذا الجنس بل أشنع . ( الثامن ) تأويل اللفظ الذي له ظاهر لا يفهم منه عند إطلاقه سواه إلا بالمعنى الخفي الذي لا يطلع عليه إلا فرادى من أهل النظر والكلام ؛ كتأويل لفظ الأحد الذي يفهمه الخاصة والعامة بالذات المجردة عن الصفات التي لا يكون فيها معنيان

--> ( 1 ) [ صحيح ] أخرجه أحمد ( 6 / 66 ) ، وأبو داود ( 2083 ) ، والترمذي ( 1102 ) وقال : حديث حسن ، وابن ماجة ( 1879 ) ، والحاكم ( 2 / 168 ) وصححه الألباني في « صحيح ابن ماجة » وانظر « الإرواء » ( 1840 ) .