ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
37
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
--> الجارية على لسان القوم ، وتفاوتهم فيها لا يحصيه إلا الّذي عرفهم بنفسه ، وكشف لقلوبهم من معرفته ما أخفاه عن سواهم . وكل أشار إلى هذه المعرفة بحسب مقامه وما كشف له منها وقد قال أعرف الخلق بهن صلى اللّه عليه وسلم : « لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » ، وأخبر أنه سبحانه يفتح عليه يوم القيامة من محامده بما لا يحسنه الآن . ولهذه المعرفة بابان واسعان : الباب الأول : التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها ، والفهم الخاص عن اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . والباب الثاني : التفكر في آياته المشهودة ، وتأمل حكمته فيها ، وقدرته ولطفه وإحسانه ، وعدله وقيامه بالقسط على خلقه . وجماع ذلك : الفقه في معاني أسمائه الحسنى وجلالها وكمالها ، وتفرده بذلك ، وتعلقها بالخلق والأمر ، فيكون فقيها في أوامره ونواهيه ، فقيها في قضائه وقدره ، فقيها في أسمائه ، وصفاته ، فقيها في الحكم الديني الشرعي ، والحكم الكوني القدري ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . وقال أيضا : من أعز أنواع المعرفة « معرفة الرب » سبحانه بالجمال ، وهي معرفة خواص الخلق ، وكلهم عرفه بصفة من صفاته وأتمهم معرفة من عرفه بكماله وجلاله وجماله سبحانه ليس كمثله شيء في سائر صفاته ، ولو فرضت الخلق كلهم على أجملهم صورة وكلهم على تلك الصورة ، ونسبت جمالهم الظاهر والباطن إلى جمال الرب سبحانه لكان أقل من نسبه سراج ضعيف إلى قرص الشمس ، ويكفي في جماله أنه لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاته ما انتهى إليه بصره من خلقه ، ويكفي في جماله أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة فمن آثار صنعته ، فما الظن بمن صدر منه هذا الجمال . ويكفي في جماله أنه له العزة جميعا والقوة جميعا ، والجود كله ، والإحسان كله ، والعلم كله ، والفضل كله ، ولنور وجهه أشرقت الظلمات كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم في دعاء الطائف : « أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة » . وقال عبد اللّه بن مسعود : ليس عند ربكم ليل ولا نهار ، نور السماوات والأرض من نور وجهه فهو سبحانه نور السماوات والأرض ، ويوم القيامة إذا جاء لفصل القضاء تشرق الأرض بنوره . ومن أسمائه الحسنى « الجميل » وفي « الصحيح » عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه جميل يحب الجمال » .