ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
38
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
--> وجماله سبحانه على أربع مراتب : جمال الذات ، وجمال الصفات ، وجمال الأفعال ، وجمال الأسماء فأسماؤه كلها حسنى ، وصفاته كلها صفات كمال ، وأفعاله كلها حكمة ومصلحة وعدل ورحمة . وأما جمال الذات وما هو عليه : فأمر لا يدركه سواه ، ولا يعلمه غيره ، وليس عند المخلوقين منه ألا تعريفات تعرف بها إلى من أكرمه من عباده ، فإن ذلك الجمال مصون عن الأغيار ، محجوب بستر الرداء والإزار ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم فيما حكى عن ربه عز وجل : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري » ولما كانت الكبرياء أعظم وأوسع كانت أحق باسم الرداء ، فإنه سبحانه الكبير المتعال ، فهو سبحانه العلي العظيم . قال ابن عباس رضى اللّه عنه : حجب الذات بالصفات ، وحجب الصفات بالأفعال ، فما ظنك بجمال حجب بأوصاف الكمال ، وستر بنعوت العظمة والجلال ، ومن هذا المعنى يفهم بعض معاني جمال ذاته ، فإن العبد يترقى من معرفة الأفعال إلى معرفة الصفات ومن معرفة الصفات إلى الذات ، فإذا شاهد شيئا من جمال الأفعال استدل به على جمال الصفات ، ثم استدل بجمال الصفات على جمال الذات . ومن هنا يتبين أنه سبحانه له الحمد كله ، وأن أحدا من خلقه لا يحصى ثناء عليه ، بل هو كما أثنى على نفسه ، وأنه يستحق أن يعبد لذته ، ويحب لذاته ، ويشكر لذاته ، وأنه سبحانه يحب نفسه ويثني على نفسه ، ويحمد نفسه ، وأن محبته لنفسه وحمده لنفسه ، وثناءه على نفسه ، وتوحيده لنفسه هو في الحقيقة الحمد والثناء والحب والتوحيد ، فهو سبحانه كما أثنى على نفسه وفوق ما يثني به عليه خلقه ، وهو سبحانه كما يحب ذاته يحب صفاته وأفعاله ، فكل أفعاله حسن محبوب وإن كان في مفعولاته ( مخلوقاته ) ما يبغضه ويكرهه ، فليس في أفعاله ما هو مكروه مسخوط وليس في الوجود ما يحب لذاته ويحمد لذاته إلا هو سبحانه ، وكل ما يحب سواه فإن كانت محبته تابعة لمحبته سبحانه بحيث يحب لأجله فمحبته صحيحة وإلا فهي محبة باطلة وهذا هو حقيقة الإلهية ، فإن الإله الحق هو الذي يحب لذاته ويحمد لذاته ، فكيف إذا انضاف إلى ذلك إحسانه وإنعامه وحلمه وتجاوزه وعفوه وبره ورحمته ؟ ! . فعلى العبد أن يعلم أنه لا إله إلا اللّه فيحبه ويحمده لذاته وكماله ، وأن يعلم أنه لا محسن على الحقيقة بأصناف النعم الظاهرة والباطنة إلا هو فيحبه لإحسانه وإنعامه ويحمده على ذلك فيحبه من الوجهين جميعا ، وكما أنه ليس كمثله شيء فليس كمحبته محبة ، والمحبة مع الخضوع هي العبودية التي خلق الخلق لأجلها ، فإنها غاية الحب بغاية الذل ،