ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
27
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
بإدراك ذلك على التفصيل « 1 » ، فاقتضت حكمة العزيز العليم ، بأن بعث الرسل به معرفين ، وإليه داعين ، ولمن أجابهم مبشرين ، ولمن خالفهم منذرين ، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله . وعلى هذه المعرفة تنبنى مطال الرسالة جميعها ، فإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود . ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى « 2 » قال أفضل الداعين إليه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) وقال الحافظ في « الفتح » : ليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها أه . وسيأتي مزيد بيان لذلك في آخر هذا الفصل . ( 2 ) هاهنا مسألة مهمة وهي معرفة اللّه تعالى : وهل هي أول واجب على المسلم معرفة اللّه بالأدلة وأنه لا يصح إيمان المقلد والعامي ، وقال إمام الحرمين : أجمع العلماء على وجوب معرفة اللّه تعالى ، واختلفوا في أول واجب ؟ ! فقيل : المعرفة ، وقيل : النظر ، وقال المقترح : لا اختلاف في أن أول واجب خطابا ومقصودا : المعرفة وأول واجب اشتغالا وأداء القصد إلى النظر ، قال الحافظ : وفي نقل الإجماع نظر كبير ومنازعة طويلة ، حتى نقل جماعة الإجماع في نقيضه ، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول على قبول الإسلام فمن دخل فيه من غير تنقيب ، والآثار في ذلك كثيرة جدا . وأجاب الأولون عن ذلك بأن الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه ، فرجوعهم عنه دليل على ظهور الحق لهم ، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يكتفى فيها بأدنى نظر بخلاف ما قرروه ، ومع ذلك فقول اللّه تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وحديث : « كل مولود يولد على الفطرة » ظاهران في دفع هذه المسألة من أصلها أه . « الفتح » ( 1 / 89 ) . وقال مرة في شرح حديث : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا . . . الحديث ، وفيه . . . فإن فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على اللّه » . قال : وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر ، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافا لمن أوجب تعلم الأدلة ، ويؤخذ منه : ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع ، وقبول توبة الكافر من كفره من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن . ا ه « الفتح » ( 1 / 97 ) وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في شرح الحديث التالي ، وانظر التعليق في آخر هذا الفصل ص ( 36 وما بعدها ) .