ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
28
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
لمعاذ بن جبل : وقد أرسله إلى اليمن « إنك تأتي قوما أهل كتاب « 1 » ؛ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة « 2 » أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ؛ فإذا
--> ( 1 ) هم اليهود ، وكان ابتداء دخول اليهودية اليمن من زمن أسعد ذي كرب وهو تبّع الأصغر كما ذكره ابن إسحاق مطولا في السيرة ، فقام الإسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية ، ودخل دين النصرانية إلى اليمن بعد ذلك لما غلبت الحبشة على اليمن ، وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة وأراد هدم الكعبة حتى أجلاهم عنها سيف بن ذي يزن ، كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا أيضا ، ولم يبق بعد ذلك باليمن أحد من النصارى أصلا إلا بنجران وهي بين مكة واليمن ، وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود . أه . أفاده الحافظ في « الفتح » ( 13 / 361 ) . ( 2 ) قال الحافظ : تمسك به من قال : أول واجب المعرفة ، كإمام الحرمين ، واستدل بأنه لا يتأتى الإتيان بشيء من المأمورات على قصد الامتثال ، ولا الانكفاف عن شيء من المنهيات على قصد الانزجار إلا بعد معرفة الآمر والناهي ، واعترض عليه بأن المعرفة لا تتأتى إلا بالنظر والاستدلال ، وهو مقدمة الواجب فيجب ، فيكون أول واجب النظر ، وذهب إلى هذا طائفة كابن فورك ، وتعقب بأن النظر ذو أجزاء يترتب بعضها على بعض ، فيكون أول واجب جزأ من النظر ، وهو محكي عن القاضي أبى بكر بن الطيب ، وعن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني : أول واجب القصد إلى النظر . وجمع بعضهم بين هذه الأقوال بأن من قال أول واجب المعرفة أراد طلبا وتكليفا ، ومن قال النظر أو القصد أراد امتثالا ، لأنه يسلم أنه وسيلة إلى تحصيل المعرفة ، فيدل ذلك على سبق وجوب المعرفة ، وقد ذكرت في « كتاب الإيمان » من أعرض عن هذا من أصله وتمسك بقوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وحديث : « كل مولود يولد على الفطرة » فإن ظاهر الآية والحديث أن المعرفة حاصلة بأصل الفطرة وأن الخروج عن ذلك يطرأ على الشخص لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فأبواه يهودانه وينصرانه » . وقد وافق أبو جعفر السمناني وهو من رؤوس الأشاعرة على هذا وقال : إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة ، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة اللّه بالأدلة الدالة عليه ، وأن لا يكفى التقليد في ذلك . أه . ثم ذكر الحافظ كلام الأئمة وطوائف المسلمين في هذه المسألة وتفرقهم فيها ثم نقل عن الحافظ العلائي من « جزئه » أن يفصل في هذه المسألة فيقال : من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلا وحصل له اليقين التام بالمطلوب إما بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه اللّه في قلبه ، فإنه يكتفى منه بذلك ، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل .