ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

142

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

وحاصل هذا : أنا لا أعلم ثبوت ما أخبر به الرسول صلى اللّه عليه وسلم حتى نعلم انتفاء ما يعارضه . ولا سبيل إلى العلم بانتفاء المعارض مطبقا لما تقدم ، وأيضا فلا يلزم من انتفاء العلم بالمعارض . ولا ريب أن هذا القول أفسد أقوال العالم ، وهو من أعظم أصول أهل الإلحاد والزندقة ، وليس في عزل الوحي عن رتبته أبلغ من هذا . الثالث والأربعون : إن اللّه سبحانه قد أخبر في كتابه أن ما على الرسول إلا البلاغ المبين فقال تعالى : وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( العنكبوت : 18 ) وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ( المائدة : 67 ) ، وقال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( النحل : 44 ) وقد شهد اللّه له وكفى باللّه شهيدا بالبلاغ الذي أمر به ، فقال : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( الذاريات : 54 ) ، وشهد له أعقل الخلق وأعلمهم وأفضلهم بأنه قد بلغ . فأشهد اللّه عليهم بذلك في أعظم مجمع وأفضله ، فقال في خطبته في عرفات في حجة الوداع « إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت : فرفع إصبعه إلى السماء مستشهدا بربه الذي فوق سماواته ، وقال : « اللهم اشهد » « 1 » فلو لم يكن عرف المسلمون وتيقنوا ما أرسل به وحصل لهم منه العلم واليقين ، لم يكن قد حصل منه البلاغ المبين ، ولما رفع عنه اللوم وغاية ما عند النفاة أنه يضمهم ألفاظا لا تفيدهم علما ولا يقينا . وأحالهم في طلب العلم واليقين على عقولهم وفطرهم وآرائهم ، لا على ما أوحى إليه ؛ وهذا معلوم البطلان بالضرورة . الرابع والأربعون : أن عقل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكمل عقول أهل الأرض على الإطلاق فلو وزن عقله بعقولهم لرجحها وقد أخبر اللّه أنه قبل الوحي لم يكن يدري ما الإيمان ، كما لم يكن يدري ما الكتاب ، فقال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1742 ، 4406 ) ، ومسلم ( القسامة / 31 ) وغيرهما .